720 ألف فدان و7 أشهر من الأزمة.. كيف ضغط النواب لإنهاء أزمة وقف المنان؟
أسدل التوجيه الرئاسي بوقف العمل بالمنشور الفني رقم (8) لسنة 2026، الصادر عن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، فصلًا جديدًا في أزمة تسجيل الأراضي والعقارات الواقعة بنطاق وقف الأمير مصطفى عبد المنان بمحافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، والتي استمرت لنحو 7 أشهر، وأثارت شكاوى واسعة بين المواطنين، بعدما تسببت في تعطيل معاملات عقارية وإجراءات تصالح وتقنين أوضاع ومشروعات استثمارية.
وأعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، صدور توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بوقف العمل بالمنشور، الذي تضمن وقف إجراءات تسجيل الأراضي الواقعة في نطاق الوقف بالمحافظات الثلاث، وذلك استجابة لشكاوى المواطنين، وحرصًا على إزالة المعوقات التي واجهت معاملاتهم العقارية، وتحقيق الاستقرار لمراكزهم القانونية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدولة وأموال الأوقاف والحقوق المشروعة لجميع الأطراف.
وجاء التوجيه الرئاسي بعد سلسلة من التحركات البرلمانية والطلبات الرقابية التي استهدفت إعادة فتح الملف ومراجعة الأساس القانوني والتاريخي للقرار، وفي مقدمتها تحركات النائب ضياء الدين داود، الذي طرح القضية مباشرة أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال فعاليات منتدى مصر 2026، مستعرضًا أبعاد النزاع والمستندات المرتبطة به، وما ترتب على المنشور من أضرار بمصالح المواطنين.
المنشور رقم 8.. بداية تجميد المعاملات العقارية
تعود بداية الأزمة إلى صدور المنشور الفني رقم (8) لسنة 2026 عن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق، والذي تضمن وقف إجراءات تسجيل الأراضي والعقارات الواقعة ضمن نطاق وقف الأمير مصطفى عبد المنان، وهو ما انعكس على معاملات آلاف المواطنين في محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ.
ولم تقتصر آثار المنشور على وقف تسجيل الملكيات، بل امتدت إلى عدد من الإجراءات المرتبطة بالتصالح في مخالفات البناء وتقنين أوضاع اليد، فضلًا عن تعطيل معاملات البيع والشراء والتوثيق، وإجراءات متصلة بتراخيص البناء وتوصيل المرافق.
كما أشار نواب المحافظات الثلاث إلى امتداد آثار القرار إلى أنشطة ومعاملات يومية، من بينها نقل ملكية المحال التجارية وتجديد تراخيص بعض الأنشطة، وهو ما وضع قطاعات واسعة من المواطنين والمستثمرين أمام معوقات قانونية وإدارية، وأدى إلى تعطيل مشروعات استثمارية وتنموية تقدر قيمتها بمئات الملايين من الجنيهات.
وأثارت هذه التداعيات حالة من القلق بين الأهالي، خاصة أن وقف التسجيل ترتب عليه تجميد التصرفات العقارية وتعقيد المراكز القانونية للمتعاملين على الأراضي محل الأزمة، في ظل عدم وضوح مصير المعاملات القائمة والإجراءات التي يمكن اتخاذها لتسوية الأوضاع.
تحركات برلمانية وتعهد حكومي لم يُنفذ
مع تصاعد شكاوى المواطنين، انتقل الملف إلى مجلس النواب، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة وتحركات رقابية لمناقشة تداعيات المنشور، ومطالبة الحكومة بمراجعة القرار وإزالة القيود التي فرضها على تسجيل الأراضي والعقارات.
وكان النائب ضياء الدين داود في مقدمة المتحركين بشأن الأزمة، إلى جانب نواب المحافظات المتضررة، الذين طالبوا بالكشف عن الأساس الذي استندت إليه مصلحة الشهر العقاري في وقف التسجيل، ومدى توافق ذلك مع المستندات والقرارات السابقة المتعلقة بملكية الأراضي محل النزاع.
وفي 15 يونيو 2026، شهد مجلس النواب مناقشة للملف بحضور وزير الأوقاف، حيث تعهد الوزير أمام المجلس باتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لإنهاء الأزمة ورفع القيود قبل 30 يونيو 2026.
ورغم هذا التعهد، استمر العمل بالمنشور خلال الأشهر التالية، دون إنهاء المعوقات التي واجهت المواطنين، وهو ما دفع النواب إلى مواصلة التحرك والمطالبة بتنفيذ ما سبق أن تعهدت به الحكومة أمام البرلمان.
كما امتدت المطالب البرلمانية إلى ضرورة مراجعة المستندات التاريخية التي استند إليها القرار، وفتح تحقيق بشأن ظروف إيداعها، إلى جانب المطالبة بإحالة الملف إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، واستدعاء وزراء الأوقاف والعدل والتنمية المحلية لمناقشة أبعاد الأزمة وتحديد مسؤولية الجهات المعنية.
لجنة حكومية ومستندات تاريخية
لم تتوقف التحركات البرلمانية عند المطالبة برفع القيود، بل امتدت إلى مناقشة الجذور التاريخية والقانونية للنزاع حول الأراضي، خاصة في ضوء وجود أعمال لجنة فنية متخصصة سبق تشكيلها بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 2001.
واستند نواب، في طلبات الإحاطة والمناقشات البرلمانية، إلى ما انتهت إليه أعمال اللجنة من تقرير رسمي بشأن أوضاع ملكية الأراضي محل النزاع، وأحقية المحافظات والمواطنين فيها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أسباب إعادة طرح الملف بعد سنوات طويلة، ومدى تأثير المستندات التي ظهرت وأودعت خلال عام 2026 على المراكز القانونية التي استقرت للمواطنين.
كما طالب النواب بالكشف عن ظروف ظهور هذه المستندات، والأساس الذي جرى بناءً عليه وقف إجراءات التسجيل، خاصة في ظل وجود تعاملات عقارية وأوضاع قانونية قائمة قبل صدور المنشور.
عرض الأزمة في منتدى مصر 2026
وجاء التحول الأبرز في مسار الأزمة خلال فعاليات منتدى مصر 2026، وتحديدًا في جلسة التنمية الحضرية والعمرانية، التي شهدت طرح النائب ضياء الدين داود القضية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحضور رئيس مجلس الوزراء وعدد من كبار المسؤولين.
وخلال مداخلته، عرض داود خلفية النزاع التاريخي والقانوني المتعلق بالأراضي، موضحًا أن جذوره تعود إلى خلاف بين هيئة الأوقاف والإصلاح الزراعي والمحافظات بدأ عام 1999، كما أشار إلى أنه سلم رئيس مجلس الوزراء تقريرًا تفصيليًا من 106 صفحات يتناول أبعاد الأزمة ومستنداتها، بهدف حسم الملف دون تحميل المواطنين تبعات النزاع بين الجهات المختلفة.
وتناول النائب خلال عرضه مسألة المساحة المنسوبة إلى الوقف، والتي أشار إلى أنها تصل إلى نحو 720 ألف فدان، بما يعادل قرابة 7% من مساحة مصر، متسائلًا عن مدى اتساق هذه المساحة مع الخرائط المساحية التاريخية، في ضوء عدم ظهور الوقف، بحسب ما عرضه، على خرائط مصر المساحية لعام 1906.
كما أثار تساؤلات بشأن عدم ورود إشارة إلى الوقف في القرارات الجمهورية المرتبطة بإنشاء مدينة دمياط الجديدة ومينائها، مطالبًا بمراجعة المستندات التاريخية والقانونية قبل ترتيب آثار من شأنها تعطيل مصالح المواطنين.
وانتقد داود استمرار العمل بالمنشور رغم التعهد الحكومي السابق أمام مجلس النواب بإنهاء الأزمة قبل نهاية يونيو 2026، مؤكدًا ضرورة عدم تحميل المواطنين نتائج الخلافات بين الجهات الحكومية، أو المساس بمراكز قانونية استقرت على مدار سنوات.
وقف المنشور رقم 8
وعقب عرض النائب أبعاد الأزمة خلال المنتدى، صدر التوجيه الرئاسي بوقف العمل بالمنشور الفني رقم (8) لسنة 2026، وهو ما أعلنه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مؤكدًا أن القرار يأتي في إطار الحرص على رعاية مصالح المواطنين وصون حقوقهم، والاستجابة لشكاواهم بشأن المعوقات التي واجهت إجراءات التسجيل.
ويستهدف التوجيه إعادة التعامل مع الملف بما يحقق التوازن بين حماية حقوق المواطنين واستقرار معاملاتهم العقارية ومراكزهم القانونية، وبين الحفاظ على حقوق الدولة وأموال الأوقاف والحقوق المشروعة لجميع الأطراف، دون الإضرار بأي طرف من أطراف النزاع.
ويمثل وقف العمل بالمنشور تطورًا مهمًا في الأزمة التي امتدت آثارها إلى ثلاث محافظات، بعد أشهر من الشكاوى والتحركات البرلمانية، ويفتح الباب أمام معالجة المعوقات التي عطلت إجراءات التسجيل والتقنين والتصرفات العقارية.
شكر للرئيس والنواب
وعقب الإعلان عن التوجيه الرئاسي، نشر النائب ضياء الدين داود مقطع فيديو وجه خلاله الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي وأعضاء مجلس النواب، معتبرًا أن ما تحقق يمثل انتصارًا لمصالح المواطنين، ويؤكد أهمية إتاحة المجال أمام عرض مشكلات المواطنين وشكاواهم مباشرة على صانع القرار.
وأشار داود إلى أهمية المنتديات ومنصات الحوار في نقل شواغل المواطنين ومناقشة الملفات التي تتطلب تدخلًا من الجهات التنفيذية، مؤكدًا أن طرح الأزمة ومناقشتها أسهما في الوصول إلى قرار يستهدف رفع المعوقات التي واجهت المواطنين في المحافظات الثلاث.
وبذلك تنتقل أزمة وقف الأمير مصطفى عبد المنان من مرحلة تجميد المعاملات والتصعيد البرلماني إلى مرحلة جديدة تستهدف إعادة انتظام إجراءات التسجيل، مع استمرار ضرورة معالجة الجوانب القانونية والتاريخية للنزاع، وضمان حماية حقوق المواطنين والدولة والأوقاف على حد سواء.