بين "تخضير القاهرة" وقطع الأشجار.. نواب يطرحون سؤالًا صعبًا: هل التطوير يستلزم اقتلاع الأخضر؟

قطع الاشجار
قطع الاشجار

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى تنفيذ مشروع واسع لـ"تخضير القاهرة" وزيادة المساحات الخضراء داخل العاصمة، عاد ملف قطع الأشجار في الشوارع والميادين إلى واجهة النقاش العام، وسط مطالب برلمانية بإعادة النظر في طريقة التعامل مع الأشجار خلال تنفيذ مشروعات الطرق والكباري والتطوير العمراني.

 

ولم يعد الجدل يدور فقط حول الإبقاء على شجرة أو إزالتها، وإنما امتد إلى فلسفة التخطيط نفسها: هل يمكن تنفيذ مشروعات التطوير دون أن تكون الأشجار أول ضحاياها؟ وهل تكفي زراعة شتلات جديدة لتعويض أشجار استغرقت عشرات السنين حتى تنمو؟ وما البدائل الهندسية التي يمكن اللجوء إليها قبل اتخاذ قرار القطع؟

 

وفي هذا السياق، برزت تحذيرات برلمانية من التعامل مع الأشجار باعتبارها عائقًا أمام التنمية، بالتزامن مع الدعوة إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا تضمن الحفاظ على الأشجار القائمة، ودراسة إمكانية نقلها أو تعديل تصميم المشروعات قبل اللجوء إلى إزالتها.

 

الشجرة القديمة ثروة قومية لا تعوضها شتلة

رفض النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، بشكل قاطع عمليات قطع الأشجار التي شهدتها بعض شوارع القاهرة، وفي مقدمتها ما جرى في شارع جامعة الدول العربية، معتبرًا أن الأشجار التي تمت إزالتها تمثل ثروة قومية وبيئية وحضارية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد عوائق أمام مشروعات الطرق والتطوير.

 

ولفت الشهابي في تصريحات خاصة لـ"البرلمان" إلى أن بعض الأشجار التي تم قطعها تجاوز عمرها عشرات السنين، موضحًا أن شجرة استغرقت عقودًا حتى تنمو وتصبح جزءًا من البيئة والذاكرة والشكل الحضاري للمدينة لا يمكن تعويضها بمجرد غرس شتلة صغيرة.

 

وأكد أن الأشجار القديمة ليست مجرد أخشاب، وإنما كائنات حية تؤدي أدوارًا بيئية مهمة، من بينها تنقية الهواء، وتخفيف درجات الحرارة، والحد من آثار التلوث، وتوفير الظل، فضلًا عن إضفاء طابع إنساني وحضاري على المدن.

 

وشدد رئيس حزب الجيل الديمقراطي على أن تطوير الطرق وتحسين البنية الأساسية أهداف ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تأتي على حساب البيئة وحق المواطنين في بيئة صحية ومدن أكثر جمالًا ومساحات خضراء.

 

مطالب بالبحث عن بدائل هندسية

ودعا الشهابي إلى تغيير طريقة التفكير في التعامل مع الأشجار خلال تنفيذ مشروعات التطوير، بحيث يكون الحفاظ عليها هو القاعدة، بينما يصبح القطع استثناءً لا يتم اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى.

 

وطرح عددًا من البدائل التي يمكن بحثها قبل إزالة الأشجار، من بينها تعديل مسارات الطرق، وإعادة تصميم المشروعات، وتغيير مواقع بعض المنشآت، إلى جانب نقل الأشجار وإعادة زراعتها عندما تسمح طبيعتها بذلك.

 

وحذر من تحول قطع الأشجار إلى حل هندسي معتاد بسبب سهولته وسرعته، مؤكدًا ضرورة استنفاد البدائل الممكنة قبل اتخاذ قرار الإزالة.

 

لا يجب أن نختار بين طريق أفضل وبيئة أفضل

من جانبها، رفضت النائبة نيفين فارس اختزال قضية الأشجار في معادلة «التطوير أم الحفاظ على الأشجار»، مؤكدة دعمها لتحديث الطرق وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية التي تجعل حياة المواطنين أكثر سهولة وأمانًا.

 

وأكدت فارس  في تصريحات خاصة لـ"البرلمان" أن التنمية الحقيقية لا ينبغي أن تضع المجتمع أمام اختيار إجباري بين طريق أفضل وبيئة أفضل، مطالبة بأن يكون الهدف هو تحقيق الأمرين معًا من خلال تطوير المشروعات مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأشجار.

 

وشددت فارس على أن الشجرة ليست قطعة أثاث يمكن تحريكها أو استبدالها بمجرد تغيير التصميم، موضحة أنها كائن حي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يصل إلى مرحلة النضج، وأن كل عام يمر عليها يضيف إلى قيمتها البيئية والإنسانية.

 

وأوضحت أن زراعة الشتلات الجديدة تظل خطوة مهمة، لكنها لا تعني تعويض الأشجار القديمة بشكل كامل، لأن شتلة اليوم تحتاج إلى سنوات حتى توفر الظل والمساحة الخضراء والتأثير البيئي الذي كانت تقدمه شجرة ناضجة.

 

اللون الأخضر ليس رفاهية

وربطت النائبة نيفين فارس بين المساحات الخضراء وجودة الحياة والحالة النفسية للمواطن، مشيرة إلى أن المدن التي يطغى عليها الزحام والضوضاء والخرسانة والإسفلت وارتفاع درجات الحرارة تحتاج إلى المساحات الخضراء باعتبارها جزءًا من البيئة التي يعيش فيها الإنسان.

 

وأكدت أن المدينة قد تكون حديثة من الناحية العمرانية، لكنها ليست بالضرورة مدينة مريحة للإنسان إذا افتقدت المساحات الخضراء والأشجار.

 

وطالبت بتغيير زاوية النظر إلى الأشجار أثناء تنفيذ مشروعات الطرق، بحيث لا يكون السؤال هو كيفية التخلص من الأشجار التي تعترض المشروع، وإنما كيفية تصميم المشروع من البداية بحيث لا تصبح الأشجار عائقًا أمامه.

 

وطرحت في هذا الإطار عددًا من البدائل، من بينها تعديل مسار الطريق، وتغيير التصميم، ونقل بعض الأشجار، والحفاظ على أجزاء من الأحزمة الخضراء، مؤكدة أن حالات القطع التي تفرضها الضرورة الهندسية أو اعتبارات السلامة يجب أن تسبقها دراسة حقيقية للبدائل.

 

لكن قطع الأشجار ليس الحل الأول

وشددت فارس على أنها لا تطالب بتجميد مشروعات التنمية من أجل الحفاظ على شجرة، وإنما تستهدف الوصول إلى مرحلة لا تكون فيها الشجرة هي الضحية الأولى لمشروعات التطوير.

 

وأكدت ضرورة وضع منظومة واضحة في حال اضطرت أي جهة إلى إزالة أشجار، تبدأ بحصر الأشجار وتقييم حالتها وأعمارها، ودراسة إمكانية نقلها، وتحديد الأشجار التي يمكن الحفاظ عليها، ثم وضع خطة تعويض حقيقية تتضمن متابعة ورعاية الأشجار الجديدة.

 

وحذرت من اعتبار زراعة الأشجار ثم تركها دون رعاية سياسة خضراء، مؤكدة أن الحفاظ على الشجرة يبدأ قبل قرار قطعها ولا ينتهي بمجرد زراعة شتلة بديلة.

 

التنمية ليست خرسانة وأسفلت فقط

وفي السياق نفسه، اعتبر النائب إسماعيل الشرقاوي أن مصر، التي استضافت مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27 ورفعت شعار التحول الأخضر والتنمية المستدامة، لا ينبغي أن تتعامل مع الأشجار والمساحات الخضراء باعتبارها عائقًا أمام التنمية.

 

وأكد الشرقاوي في تصريحات خاصة لـ"البرلمان" أن التنمية الحقيقية لا تعني توسيع الطرق على حساب الأشجار، ولا معالجة أزمة المرور بطريقة تخلق أزمات بيئية وصحية أكبر، مشددًا على أن المدن التي تفقد أشجارها تفقد جزءًا من قدرتها على توفير بيئة أفضل لمواطنيها.

 

وحذر من أن تكون الشجرة «أول ضحية» لأي مشروع تطوير عمراني، مطالبًا بإعادة النظر في تخطيط المشروعات إذا تعارضت مع الأشجار، بدلًا من اعتبار الأشجار هي المشكلة.

 

الأشجار "بنية تحتية بيئية"

وشدد الشرقاوي على أن الأشجار ليست رفاهية أو مجرد عنصر جمالي، وإنما تمثل جزءًا من البنية التحتية البيئية للمدينة، لما تؤديه من أدوار في تخفيف الحرارة وتحسين جودة الهواء وتوفير مساحات عامة أكثر ملاءمة للمواطنين.

 

وطالب بأن يكون قطع أي شجرة هو الحل الأخير وليس الخيار الأسهل، مع إلزام الجهات المنفذة للمشروعات بدراسة البدائل التي يمكن أن تحافظ على الأشجار القائمة.

 

كما دعا إلى إعطاء الأولوية لنقل الأشجار الكبيرة وإعادة زراعتها كلما كان ذلك ممكنًا، ووضع آلية واضحة للمحاسبة عن أي عمليات إزالة لا تستند إلى ضرورة حقيقية.

 

فرصة لإعادة صياغة شكل العاصمة

وبالتزامن مع هذه المطالب، رأى اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتبني مشروع لتخضير القاهرة وتحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء يمثل خطوة مهمة نحو إعادة صياغة شكل العاصمة.

 

وأوضح فرحات في تصريحات خاصة لـ"البرلمان" أن أهمية المشروع لا تتوقف عند زراعة الأشجار وتحسين المظهر العام، وإنما تمتد إلى تغيير طريقة التعامل مع الأراضي والمساحات المفتوحة داخل المدن، خاصة في ظل التوسع العمراني وارتفاع الكثافات السكانية.

 

وأشار إلى أن كل مساحة يتم إخلاؤها داخل القاهرة تمثل فرصة لإضافة متنفس جديد للسكان وتحسين جودة الحياة، مؤكدًا أن استمرار التوسع الخرساني دون الحفاظ على المساحات الخضراء لا يمثل مسارًا مستدامًا للعاصمة.

 

ربط تخضير القاهرة بإحياء المناطق التاريخية

وأكد أستاذ العلوم السياسية أهمية ربط مشروع تخضير القاهرة بجهود تطوير وإحياء القاهرة الإسلامية والتاريخية والخديوية، موضحًا أن الحفاظ على المباني والمعالم الأثرية وحده لا يكفي لاستعادة القيمة الكاملة للمناطق التاريخية.

 

ولفت إلى أن تطوير البيئة المحيطة بالمساجد والأضرحة والمباني التاريخية، بالتوازي مع زيادة المساحات الخضراء وتحسين البنية الأساسية وفتح مسارات جديدة للحركة والسياحة، يمكن أن يخلق تجربة متكاملة تعيد للمناطق التاريخية حيويتها ومكانتها.

 

وربط فرحات بين مشروعات تطوير التراث والتنسيق الحضاري والتخضير والسياحة، معتبرًا أن التعامل معها ضمن رؤية واحدة يمكن أن يحقق تأثيرًا أكبر من تنفيذ كل مشروع بصورة منفصلة.

 

عدالة في توزيع الحدائق

وطالب فرحات بإعداد حصر شامل للمساحات التي يتم إخلاؤها داخل القاهرة، يتضمن الملكية والوضع القانوني والمساحة والموقع وطبيعة المناطق المحيطة، مع تحديد الاستخدام المستقبلي للأرض وفق رؤية واضحة قبل إخلائها.

 

وأشار إلى إمكانية استخدام نظم المعلومات الجغرافية لإعداد خريطة متكاملة للمساحات المفتوحة في العاصمة، وربطها بالكثافة السكانية ومستويات التلوث والمرور وتوزيع الخدمات، بما يسمح بتوجيه مشروعات التخضير إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

 

وشدد كذلك على أهمية تحقيق العدالة في توزيع الحدائق والمساحات الخضراء، محذرًا من اقتصارها على المناطق التاريخية أو الشوارع الرئيسية والمناطق ذات الاهتمام السياحي والإعلامي.

 

وأوضح أن المناطق السكنية شديدة الكثافة هي الأكثر احتياجًا إلى المساحات العامة، خصوصًا للأطفال والأسر التي لا تتوافر أمامها أماكن قريبة للراحة والترفيه.

 

الاختبار الحقيقي بعد زراعة الأشجار

وأكد فرحات أن إنشاء الحديقة أو زراعة الأشجار يمثل بداية المشروع وليس نهايته، مشددًا على ضرورة وضع خطط واضحة للصيانة والري واختيار الأشجار والنباتات القادرة على التكيف مع الظروف المناخية للقاهرة.

 

كما طالب بتحديد مسؤوليات الجهات المختلفة عن إدارة المساحات الخضراء، ووضع مؤشرات لقياس جودتها واستمراريتها، إلى جانب إشراك السكان في الحفاظ عليها.

 

واعتبر أن نجاح مشروع تخضير القاهرة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأشجار التي تمت زراعتها، وإنما بمدى انعكاس المساحات الخضراء على حياة المواطنين وتحسين البيئة العمرانية.

 

التطوير والحفاظ على الأشجار

وتتقاطع المطالب البرلمانية مع الرؤية المطروحة بشأن تخضير القاهرة عند نقطة أساسية، تتمثل في ضرورة إعادة النظر في طريقة تصميم وتنفيذ مشروعات التطوير، بحيث لا يكون قطع الأشجار هو الخيار الأول عند تعارضها مع الطرق أو الكباري والمشروعات العمرانية.

 

وبينما يؤكد النواب دعمهم للتنمية وتطوير البنية الأساسية، يطالبون بأن تسبق إزالة الأشجار دراسة البدائل الممكنة، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على الأشجار الكبيرة ونقلها متى أمكن، إلى جانب ضمان رعاية الأشجار الجديدة وعدم الاكتفاء بزراعتها.

 

وفي المقابل، تطرح رؤية تخضير القاهرة التعامل مع المساحات المفتوحة باعتبارها جزءًا من مستقبل العاصمة، بما يفتح الباب أمام تصور أوسع للمدينة، لا يقوم على التوسع العمراني وحده، وإنما يجمع بين التطوير والحفاظ على البيئة واستعادة المساحات الخضراء.

تم نسخ الرابط