"مش كل متر يتبني".. الدكتور رضا فرحات: القاهرة تحتاج أشجارًا ومساحات عامة قبل مبانٍ جديدة |خاص
أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتبني مشروع لتخضير القاهرة وتحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء يمثل خطوة مهمة نحو إعادة صياغة شكل العاصمة، مشيرًا إلى أن الفكرة لا تتعلق بزراعة الأشجار أو تحسين المظهر العام فقط، وإنما تعكس توجهًا جديدًا في التعامل مع الأرض داخل المدن.
التخضير وإحياء القاهرة التاريخية
وقال فرحات، في تصريحات خاصة لـ"البرلمان"، إن كل مساحة يتم إخلاؤها داخل القاهرة أصبحت ذات قيمة كبيرة في ظل التوسع العمراني وارتفاع الكثافات السكانية، وبالتالي فإن تحديد مصير هذه الأراضي يجب ألا يقتصر على التفكير في استغلالها للبناء، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها فرصة لإضافة متنفس جديد للسكان وتحسين جودة الحياة.
وأوضح أن القاهرة تحتاج إلى إعادة النظر في فلسفة التعامل مع المساحات المفتوحة، خاصة أنها مدينة تاريخية ذات كثافة عمرانية مرتفعة، وتحمل مزيجًا فريدًا من المناطق التراثية والأنشطة السكانية والاقتصادية، لافتًا إلى أن استمرار التوسع الخرساني دون الحفاظ على المساحات الخضراء لا يمثل مسارًا مستدامًا للعاصمة.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن مشروع تخضير القاهرة ينبغي أن يرتبط بشكل مباشر بجهود تطوير وإحياء القاهرة الإسلامية والتاريخية والخديوية، مؤكدًا أن الحفاظ على المباني والمعالم الأثرية وحده لا يكفي لاستعادة قيمة المناطق التاريخية.
وأضاف أن تطوير البيئة المحيطة بالمساجد والأضرحة والمباني التاريخية، إلى جانب زيادة المساحات الخضراء وتحسين البنية الأساسية وفتح مسارات جديدة أمام الحركة والسياحة، يمكن أن يخلق تجربة متكاملة تعيد للمناطق التاريخية حيويتها ومكانتها.
وشدد فرحات على أن التعامل مع كل مشروع بصورة منفصلة قد يقلل من تأثيره، بينما الربط بين مشروعات تطوير التراث والتنسيق الحضاري والتخضير والسياحة يمكن أن يصنع تحولًا حقيقيًا في قلب العاصمة.
المساحات الخضراء ليست مجرد تجميل
وأكد أن اختزال مفهوم تخضير القاهرة في تحسين الصورة البصرية للمدينة سيكون تقليلًا من أهمية المشروع، موضحًا أن الأشجار والحدائق والمساحات المفتوحة أصبحت من مكونات التخطيط الحضري الحديث، ولا يمكن اعتبارها أراضي زائدة يمكن الاستغناء عنها.
ولفت إلى أن القاهرة تواجه تحديات متعلقة بالكثافة المرورية والتلوث وارتفاع درجات الحرارة والضغط العمراني، وهو ما يجعل التوسع في المساحات الخضراء أحد العناصر التي يمكن أن تسهم في تحسين البيئة الحضرية وتوفير أماكن للراحة والحركة والتفاعل الاجتماعي.
وأوضح أن نجاح المشروع لا يجب أن يقاس فقط بعدد الأشجار التي تمت زراعتها أو عدد الحدائق التي جرى إنشاؤها، وإنما بمدى انعكاس ذلك على حياة المواطن اليومية وتحسين علاقته بالمكان الذي يعيش فيه.
قاعدة بيانات لحصر الأراضي
ورأى فرحات أن التحدي الأساسي أمام المشروع يتمثل في آليات التنفيذ، موضحًا أن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعداد حصر شامل للمساحات التي يتم إخلاؤها داخل القاهرة، مع تحديد ملكيتها ووضعها القانوني ومساحتها وموقعها وطبيعة المناطق المحيطة بها.
وأكد ضرورة ألا يبدأ التفكير في مستقبل الأرض بعد إخلائها، بل يجب أن يكون الاستخدام المستقبلي محددًا مسبقًا وفق رؤية واضحة، بحيث يصبح الحفاظ على المساحات المفتوحة وإدخالها ضمن منظومة المجال العام هو القاعدة الأساسية، مع وجود ضوابط واضحة لأي استخدامات أخرى.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من نظم المعلومات الجغرافية لإعداد خريطة متكاملة للمساحات المفتوحة في العاصمة، وربطها بمعدلات الكثافة السكانية ومستويات التلوث والمرور وتوزيع الخدمات، بما يساعد الدولة على توجيه مشروعات التخضير إلى المناطق الأكثر احتياجًا بدلًا من الاعتماد على التقديرات العامة.
عدالة توزيع الحدائق أولوية
وشدد أستاذ العلوم السياسية على ضرورة تحقيق العدالة في توزيع المساحات الخضراء، محذرًا من اقتصار المشروع على المناطق التاريخية أو الشوارع الرئيسية والمناطق التي تحظى باهتمام سياحي وإعلامي.
وأوضح أن المناطق السكنية شديدة الكثافة هي الأكثر احتياجًا إلى الحدائق والمساحات العامة، خاصة بالنسبة للأطفال والأسر التي لا تتوافر أمامها أماكن قريبة ومناسبة للراحة والترفيه.
وقال إن المجال العام يجب التعامل معه باعتباره حقًا لسكان المدينة، وليس مجرد عنصر لتجميل الشوارع، معتبرًا أن وصول المساحات الخضراء إلى الأحياء المختلفة سيكون أحد المؤشرات المهمة على نجاح المشروع.
وأشار فرحات إلى ضرورة النظر إلى تكلفة إنشاء وصيانة المساحات الخضراء في إطار العائد طويل الأجل، مؤكدًا أن تحسين البيئة العمرانية يمكن أن ينعكس على السياحة والاستثمار والأنشطة الاقتصادية.
وأضاف أن تطوير المناطق المحيطة بالمواقع التاريخية ودمج المساحات الخضراء مع المسارات السياحية يمكن أن يدعم الصناعات الثقافية والحرفية والخدمات المرتبطة بالسياحة، فضلًا عن توفير فرص أمام المشروعات الصغيرة في المناطق التي تشهد عمليات تطوير.
وأكد أن هذه الرؤية تجعل تخضير القاهرة جزءًا من عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد مشروع للتنسيق الحضاري أو تحسين المظهر العام.
الصيانة والاستدامة أهم من لحظة الافتتاح
ولفت إلى أن إنشاء الحديقة أو زراعة الأشجار يمثل بداية المشروع وليس نهايته، مشددًا على ضرورة وضع خطط واضحة للصيانة والري واختيار النباتات والأشجار القادرة على التكيف مع الظروف المناخية للقاهرة.
وأكد أهمية تحديد مسؤوليات الجهات المختلفة عن إدارة المساحات الخضراء، ووضع مؤشرات لقياس مستوى جودتها واستمراريتها، إلى جانب إشراك السكان في الحفاظ عليها، لأن ارتباط المجتمع المحلي بهذه المساحات يزيد من فرص استمرارها وعدم تعرضها للإهمال.
واختتم فرحات تصريحاته بالتأكيد على أن مشروع تخضير القاهرة يفتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم التطوير العمراني، موضحًا أن نجاح المدن لا يقاس بحجم ما يتم بناؤه فقط، وإنما بقدرتها على توفير بيئة أفضل وأكثر توازنًا لسكانها.
وأكد أن القاهرة بحاجة إلى استعادة ذاكرتها التاريخية بالتوازي مع استعادة مساحاتها المفتوحة، مشيرًا إلى أن الحفاظ على التراث وتحسين البيئة يمكن أن يسيرا في اتجاه واحد.