مها عبد الناصر: المرض النفسي ليس وصمة أو ضعف شخصية.. وعلى الحكومة التحرك لإنقاذ الملايين
تقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بشأن خطة الحكومة للتعامل مع نتائج المسح القومي للصحة النفسية، وارتفاع تكلفة العلاج النفسي، وضعف إتاحة خدمات الصحة النفسية في العديد من المحافظات.
وأكدت النائبة في مستهل سؤالها تقديرها لوزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية على إعداد وإصدار المسح القومي للصحة النفسية، والذي كان أحدث إصداراته عام 2023، مشيرة إلى أن المسح يُعد من أهم الدراسات الوطنية التي تناولت واقع الصحة النفسية في المجتمع المصري بصورة علمية دقيقة، وكشف عن مؤشرات تستوجب تحركًا حكوميًا للتعامل معها وتحويل نتائجها إلى سياسات وبرامج تنفيذية على أرض الواقع.
المسح يكشف نسب انتشار الاضطرابات النفسية بين مختلف الفئات
وأوضحت عبد الناصر أن نتائج المسح أظهرت أن نسبة المواطنين الذين يعانون من أعراض وضائقة نفسية عامة بلغت 20.4% من السكان، فيما بلغت نسبة الاضطرابات النفسية المشخصة فعليًا 13.16%.
وأضافت أن نسبة انتشار الاضطرابات النفسية بين البالغين بلغت 13.02%، وبين كبار السن 14.16%، بينما بلغت نسبة انتشار اضطرابات المزاج والاكتئاب 6.78%، واضطرابات القلق 4.96%، واضطراب الوسواس القهري 2.32%.
وفيما يتعلق بالأطفال والمراهقين، أشارت إلى أن النسبة الإجمالية لانتشار الاضطرابات النفسية بينهم بلغت 14.9%، فيما سجل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) أعلى نسبة انتشار بواقع 6.83%.
كما أوضحت أن المسح كشف عن معاناة 20.8% من كبار السن من تدهور معرفي حاد مثل الخرف وألزهايمر، في حين يعاني 27.7% منهم من ضعف إدراكي بسيط.
ملايين المرضى بحاجة إلى خدمات دعم وعلاج نفسي
وأكدت عضو مجلس النواب أن هذه المؤشرات تعني وجود ملايين المواطنين الذين يحتاجون إلى خدمات دعم وعلاج نفسي بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يفرض تساؤلات حول مدى جاهزية الحكومة للتعامل مع هذا الحجم من الاحتياجات النفسية والعلاجية.
ارتفاع تكلفة العلاج النفسي يمثل عبئًا على المواطنين
وأشارت عبد الناصر إلى أن المواطن المصري لا يواجه فقط تحدي الإصابة بالاضطرابات النفسية، بل يواجه أيضًا صعوبة الحصول على العلاج، موضحة أن تكلفة الكشف النفسي والجلسات العلاجية ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت المتابعة الدورية والأدوية النفسية تمثل عبئًا ماليًا على كثير من المواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل.
نقص الخدمات النفسية في المحافظات والقرى
ولفتت إلى وجود أزمة تتعلق بالتوزيع الجغرافي لخدمات الصحة النفسية، حيث تتركز المستشفيات والعيادات والأطباء النفسيون في عدد محدود من المحافظات الكبرى، بينما تعاني محافظات عديدة، خاصة في الصعيد والمناطق الريفية، من نقص شديد في هذه الخدمات.
وأضافت أن بعض المراكز والقرى لا تتوافر بها أي خدمات متخصصة على الإطلاق، ما يضطر المرضى إلى السفر لمسافات طويلة أو التخلي عن العلاج بالكامل.
التحذير من استمرار الوصم المجتمعي للأمراض النفسية
وأكدت النائبة أنه لا يمكن إغفال مشكلة الوصم المجتمعي المرتبط بالأمراض النفسية، حيث لا يزال قطاع واسع من المواطنين يتردد في طلب العلاج بسبب نظرة مجتمعية تعتبر المرض النفسي وصمة أو ضعفًا شخصيًا، رغم أن العلم الحديث يؤكد أنه مرض يحتاج إلى تشخيص وعلاج ومتابعة مثل أي مرض عضوي آخر.
مقارنة بمعدلات العلاج النفسي في دول أخرى
وأوضحت عبد الناصر أنه عند مقارنة الوضع المصري بدول أخرى، نجد أن ما بين 14% و17% من المرضى النفسيين في الهند يتلقون علاجًا فعليًا، بما يقرب من 34 مليون مريض.
وأضافت أن نسبة من يحصلون على علاج نفسي في البرازيل تتراوح بين 40% و50% من إجمالي المرضى، بما يقرب من 30 مليون مريض.
وأشارت إلى أن نسبة من يتلقون العلاج النفسي في مصر لا تتجاوز 0.4% فقط من إجمالي المصابين، بما يقارب 150 ألف مريض، معتبرة أن ذلك يكشف حجم الفجوة بين الاحتياج الفعلي للخدمة وما يصل للمواطنين على أرض الواقع.
تساؤلات حول الإنفاق على خدمات الصحة النفسية
وأكدت أن هذه المقارنات تكتسب أهمية خاصة في ظل ارتباط خدمات الصحة النفسية بحجم الإنفاق الصحي، مشيرة إلى أن متوسط الإنفاق الصحي السنوي للفرد في البرازيل يبلغ نحو 10 آلاف دولار، بينما يبلغ في مصر نحو 1100 دولار للفرد سنويًا، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن حجم الموارد المخصصة لهذا الملف وقدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
الصحة النفسية قضية عدالة اجتماعية وتنمية بشرية
وأضافت أن العديد من الدراسات أكدت أن الفئات الأكثر تعرضًا للاضطرابات النفسية غالبًا ما تكون من الفقراء وسكان الريف والمناطق الأقل حظًا في الخدمات العامة، وهي الفئات ذاتها الأقل قدرة على تحمل تكلفة العلاج أو الوصول إلى الخدمات المتخصصة، ما يجعل قضية الصحة النفسية قضية عدالة اجتماعية وتنمية بشرية بقدر ما هي قضية صحية.
مطالب للحكومة بشأن خطط التوسع والتمويل والتوعية
واختتمت الدكتورة مها عبد الناصر سؤالها البرلماني بمطالبة الحكومة بتوضيح الخطة التنفيذية التي أعدتها وزارة الصحة والسكان للتعامل مع نتائج المسح القومي للصحة النفسية، والبرامج والسياسات المزمع تنفيذها لتحويل نتائج المسح إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والمتابعة.
كما طالبت بالكشف عن العدد الحالي لمستشفيات الصحة النفسية والعيادات النفسية الحكومية ووحدات الدعم النفسي على مستوى الجمهورية موزعة حسب المحافظات، وخطة التوسع في المحافظات والمراكز التي تعاني من نقص أو غياب هذه الخدمات.
وشملت المطالب توضيح الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لخفض تكلفة العلاج النفسي والجلسات العلاجية والأدوية النفسية، وزيادة تغطيتها ضمن منظومة التأمين الصحي، إلى جانب الكشف عن حجم الإنفاق الحكومي الحالي على خدمات الصحة النفسية ونسبته من إجمالي الإنفاق الصحي.
كما طالبت بتوضيح الإجراءات المتخذة لمواجهة الوصم المجتمعي المرتبط بالأمراض النفسية، ونشر الوعي بأهمية العلاج النفسي والتشخيص المبكر، ودمج خدمات الدعم النفسي داخل المدارس والجامعات ووحدات الرعاية الصحية الأولية.