ناجي الشهابي: نرفض تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي أو مناطق نفوذ للقوى الكبرى| خاص
أكد النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، أن التهديدات التي تواجه الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر تجاوزت حدود كونها أزمة ملاحية أو أمنية عابرة، وأصبحت تمثل تحديًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي، فضلًا عن تأثيراتها الواسعة على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
التهديدات التي تواجه الملاحة في باب المندب
وقال الشهابي، في تصريحات لـ “البرلمان”، إن باب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، وإنما هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الطبيعي المؤدي إلى قناة السويس، ومن ثم فإن أمن باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس يمثل منظومة استراتيجية واحدة لا يمكن الفصل بين حلقاتها.
وأوضح أن أي تهديد للملاحة في باب المندب يمتد أثره بالضرورة إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس، وهو ما يجعل ما يجري في هذه المنطقة قضية أمن قومي مصري من الدرجة الأولى، وليس مجرد مسألة تتعلق بإيرادات القناة أو حركة السفن.
وأضاف رئيس حزب الجيل أن أهمية البحر الأحمر وباب المندب تتجاوز المصالح المصرية والعربية، لأنهما يمثلان جزءًا رئيسيًا من أحد أهم شرايين التجارة بين آسيا وأوروبا، وبالتالي فإن اضطراب الملاحة فيهما ينعكس سريعًا على الاقتصاد العالمي كله.
وأشار إلى أن لجوء شركات الملاحة إلى تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى إطالة الرحلات البحرية وزيادة استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل والتأمين، فضلًا عن احتجاز السفن والحاويات لفترات أطول، وهو ما يضغط على الطاقة الاستيعابية الفعلية لأساطيل الشحن العالمية.
وشدد الشهابي على أن تكلفة الأزمة لا تتوقف عند شركات الملاحة، وإنما تنتقل تدريجيًا إلى المستورد والمصنع والتاجر، ثم يتحملها المواطن في النهاية من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
وأكد أن استمرار الاضطراب لفترات طويلة يمكن أن يحول الأزمة من تهديد أمني وملاحي إلى أزمة اقتصادية وتضخمية عالمية، فضلًا عن دفع الشركات والدول إلى إعادة ترتيب سلاسل التوريد وزيادة المخزون وتنويع مصادر الاستيراد، وكلها إجراءات ترفع تكلفة التجارة والإنتاج.
مصر وقناة السويس.. خسائر أزمة لم تصنعها القاهرة
وقال النائب ناجي الشهابي إن مصر كانت من أكثر الدول تأثرًا بتداعيات الأزمة؛ لأن قناة السويس ليست مجرد ممر مائي تحصل الدولة مقابله على رسوم عبور، وإنما هي أصل استراتيجي مصري ومصدر رئيسي للنقد الأجنبي ومحور اقتصادي وتنموي ولوجستي بالغ الأهمية.
وأكد أن هناك حقيقة يجب توضيحها للرأي العام، وهي أن الأزمة لم تكن في قناة السويس نفسها، ولم تفقد القناة كفاءتها أو أهميتها أو قدرتها التنافسية، وإنما جاءت المشكلة من المخاطر الأمنية التي أحاطت بالطريق المؤدي إليها عبر جنوب البحر الأحمر وباب المندب.
وأضاف أن اتجاه بعض شركات الملاحة إلى رأس الرجاء الصالح لم يكن اختيارًا اقتصاديًا أفضل، وإنما كان قرارًا اضطراريًا فرضته المخاطر الأمنية، بدليل أن الطريق البديل أطول ويستهلك وقودًا ووقتًا أكبر، ويرفع تكلفة النقل والتأمين والتشغيل.
وأشار الشهابي إلى أن مصر تحملت خسائر تقدر بمليارات الدولارات من موارد قناة السويس والنقد الأجنبي بسبب أزمة إقليمية لم تكن القاهرة طرفًا في إشعالها، وهو ما يؤكد أن استقرار المنطقة بالنسبة لمصر ليس مجرد موقف سياسي، وإنما يرتبط مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
لا بديل مستدامًا عن قناة السويس
وأكد رئيس حزب الجيل الديمقراطي أن الأزمة أثبتت، رغم خسائرها، حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أنه لا يوجد بديل اقتصادي مستدام قادر على أن يحل محل قناة السويس في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وأوضح أن الدوران حول رأس الرجاء الصالح قد يصلح كمسار اضطراري في أوقات الأزمات، لكنه لا يستطيع من الناحية الاقتصادية منافسة المزايا التي يوفرها طريق قناة السويس من حيث اختصار المسافة والزمن واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل.
وقال إن عودة السفن والخطوط الملاحية تدريجيًا كلما تحسنت الأوضاع الأمنية تؤكد أن المشكلة ليست في قناة السويس، وإنما في الظروف الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر.
وأضاف أن علينا في الوقت نفسه استخلاص درس اقتصادي بالغ الأهمية من الأزمة، يتمثل في ضرورة تعظيم القيمة المضافة لقناة السويس، بحيث لا تقتصر استفادة مصر منها على رسوم عبور السفن.
وطالب بتحويل محور قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة به إلى مركز عالمي متكامل للصناعة واللوجستيات وتموين السفن وإصلاحها وصيانتها والتخزين وإعادة التصدير والصناعات البحرية، بحيث تحقق مصر أكبر عائد ممكن من موقعها الجغرافي الفريد.
كيف يجب أن تتعامل مصر مع الأزمة؟
وأكد النائب ناجي الشهابي أن مصر تتعامل مع الأزمة بحسابات دقيقة ومسؤولة، فهي من ناحية لا تستطيع التساهل مع أي تهديد لأمن البحر الأحمر أو قناة السويس، ومن ناحية أخرى لا يجوز دفعها إلى الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة لا تعرف حدودها ولا نهايتها.
وقال إن المعادلة المصرية يجب أن تظل واضحة:
نحمي مصالحنا وأمننا القومي بكل قوة، ولكننا لا نسمح لأحد بأن يجر مصر إلى معركة لم تخترها ولا تخدم مصالح شعبها.
وشدد على ضرورة استمرار القوات المسلحة المصرية في الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية لحماية الحدود والمياه والمصالح الاستراتيجية المصرية، بالتوازي مع استخدام الدولة لأدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.
وأكد أهمية تعزيز التنسيق بين مصر والدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر يجب أن تكون لدوله المطلة عليه الكلمة الأساسية في صياغة ترتيباته الأمنية.
وحذر رئيس حزب الجيل من استغلال الأزمة لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة أو تحويل البحر الأحمر إلى ساحة تنافس عسكري دائم بين القوى الكبرى، مؤكدًا أن عسكرة البحر الأحمر لن تحقق الأمن المستدام، بل قد تجعل المنطقة أكثر قابلية للاشتعال.
لا يمكن فصل أمن الملاحة عن جذور الصراع
وأكد الشهابي أن التعامل العسكري والأمني وحده لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة، لأن اضطرابات الملاحة ليست منفصلة عن البيئة السياسية المتفجرة في الشرق الأوسط.
وأضاف أن استمرار الحروب والصراعات، وفي مقدمتها غياب الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية، يخلق موجات متتالية من عدم الاستقرار تمتد آثارها من ساحات القتال إلى البحر الأحمر وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وشدد على أن حماية السفن المدنية وحرية الملاحة الدولية أمر لا خلاف عليه، ولكن حماية الملاحة على المدى الطويل تتطلب أيضًا إطفاء حرائق المنطقة ومعالجة أسبابها السياسية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها العسكرية والأمنية.
الاقتصاد المنتج هو خط الدفاع الحقيقي
وأكد النائب ناجي الشهابي أن الأزمة تحمل لمصر درسًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن أبعادها الأمنية، وهو ضرورة تقليل حساسية الاقتصاد الوطني للصدمات الخارجية.
وقال إن تعرض مورد مهم من موارد النقد الأجنبي مثل قناة السويس لانخفاض حاد بسبب حرب أو اضطراب خارج حدود مصر يؤكد ضرورة بناء قاعدة متنوعة ومستدامة لمصادر العملة الأجنبية.
وأضاف رئيس حزب الجيل الديمقراطى،أن خط الدفاع الاقتصادي الحقيقي عن الدولة المصرية هو الإنتاج، من خلال توطين الصناعة، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتحقيق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج، ومضاعفة الصادرات الصناعية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وتابع: "مصر التي نريدها هي مصر التي تنتج غذاءها ودواءها وكساءها، وتصنع أكبر قدر ممكن من احتياجاتها، وتصدر إنتاجها إلى العالم، حتى تصبح الأزمات الخارجية أقل قدرة على الضغط على اقتصادها وعملتها ومستوى معيشة مواطنيها".
واختتم النائب ناجي الشهابي تصريحه مؤكدًا أن مصر بحكم الجغرافيا والتاريخ والموقع لا يمكن أن تكون متفرجًا على ما يجري في البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه دولة كبيرة ومسؤولة تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم السياسة والدبلوماسية، وكيف توظف جميع عناصر قوتها الشاملة لحماية مصالحها دون الانجرار إلى مغامرات لا تخدم أمنها القومي.
وقال الشهابي:
"موقفنا واضح: نحمي قناة السويس ولا ننجر إلى حرب، ونحمي حرية الملاحة ولا نفرط في استقلال قرارنا الوطني، ونتعاون مع أشقائنا ولا نقبل تدويل أمن البحر الأحمر على حساب دوله، ونتمسك بمعالجة جذور الصراع بالتوازي مع الاستعداد الكامل لحماية كل شبر وكل مصلحة مصرية".
واختتم ناجى الشهابى مؤكدًا:
"أمن باب المندب هو أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر هو أمن قناة السويس، وأمن قناة السويس جزء أصيل لا يتجزأ من الأمن القومي المصري".