في حوار لـ"البرلمان"| النائب ناجي الشهابي يطالب بتغيير فلسفة تنقية بطاقات التموين ويؤكد: "أرفض حذف المستحقين"

النائب ناجي الشهابي
النائب ناجي الشهابي

وسط متغيرات اقتصادية متسارعة وارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، عاد ملف تنقية بطاقات التموين إلى صدارة النقاش العام، مع تزايد التساؤلات حول مدى دقة قواعد البيانات المستخدمة في تحديد مستحقي الدعم، وآليات حماية الأسر الأكثر احتياجًا من الاستبعاد غير المستحق، في ظل سعي الدولة إلى إحكام منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، تتصاعد المطالب بإعادة النظر في معايير الاستحقاق بما يعكس الواقع الاقتصادي الحالي.

 

وفي هذا السياق، أجرى موقع "البرلمان" حوارًا مع النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، للحديث عن تقييمه لقواعد بيانات وزارة التموين، ورؤيته لآليات تنقية البطاقات، وأسباب دعوته إلى إعادة النظر في فلسفة استحقاق الدعم، فضلًا عن رسالته للحكومة بشأن هذا الملف.

وإلى نص الحوار:

 

نص الحوار

س: في رأيك، قواعد البيانات التي تعتمد عليها وزارة التموين في تنقية بطاقات التموين دقيقة، أم أنها تحتاج إلى تحديث؟

 

لا شك أن الدولة المصرية بذلت خلال السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة في بناء قواعد بيانات رقمية وربطها بين مختلف الوزارات والجهات الحكومية، وهو توجه محمود يهدف إلى تحسين كفاءة الخدمات العامة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. 

 

لكن في الوقت ذاته يجب أن ندرك أن قواعد البيانات ليست كيانًا جامدًا، وإنما هي منظومة ديناميكية تحتاج إلى مراجعة وتحديث مستمرين، لأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين يتغير بصورة متلاحقة.

 

الأزمة ليست في وجود قواعد البيانات، وإنما في مدى مواكبتها للمتغيرات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، والتي كان أبرزها الارتفاع غير المسبوق في معدلات التضخم نتيجة السياسات النقدية التي صاحبت تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والاستجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي، وما ترتب على ذلك من تخفيض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار سبع مرات، الأمر الذي أدى إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن وارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة غير مسبوقة.

 

المواطن الذي لم يكن قبل سنوات مستحقًا للدعم ربما أصبح اليوم في أمسِّ الحاجة إليه، ليس لأنه تغير، وإنما لأن الظروف الاقتصادية من حوله تغيرت بالكامل، ولذلك فإن الاعتماد على معايير استحقاق قديمة أو بيانات لم تُحدَّث بما يتناسب مع هذه المتغيرات قد يؤدي إلى ظلم شريحة كبيرة من المواطنين.

 

كما أن الطبقة المتوسطة، التي تمثل "رمانة الميزان" في أي مجتمع مستقر، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتآكل شديد نتيجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، وأصبحت شرائح واسعة منها تعاني أوضاعًا اقتصادية تقترب كثيرًا من أوضاع محدودي الدخل، وهو ما يفرض على الحكومة إعادة النظر في فلسفة استحقاق الدعم، وليس فقط في آليات تنقية البطاقات التموينية.

 

س: ما الحل من وجهة نظرك لضمان عدم حذف أي مواطن مستحق من منظومة الدعم؟

الحل يبدأ أولًا من الإقرار بأن الدعم ليس منحة تمنحها الحكومة للمواطن، وإنما هو أحد أدوات الحماية الاجتماعية التي تكفلها الدولة لمواطنيها، خاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة.

 

وأرى أن أي قرار بحذف مواطن من بطاقة التموين يجب أن يسبقه إخطار رسمي يوضح أسباب الاستبعاد، مع منحه مهلة كافية لتحديث بياناته أو تقديم ما يثبت أحقيته في استمرار الدعم، حتى لا يُفاجأ بحرمان أسرته من السلع المدعمة بسبب خطأ إداري أو نقص في البيانات.

 

الدولة تمتلك اليوم الوسائل التكنولوجية التي تمكنها من التواصل مع المواطنين عبر الرسائل النصية أو التطبيقات الإلكترونية أو مكاتب التموين، وبالتالي لا يوجد ما يبرر صدور قرارات استبعاد دون منح المواطن فرصة للدفاع عن حقه.

 

كما أن القضية لم تعد تقتصر على حماية المستحقين الحاليين من الحذف، وإنما أصبحت تفرض ضرورة إعادة فتح باب إضافة مستحقين جدد، لأن الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأخيرة غيرت خريطة الاحتياج بصورة كبيرة.

 

الحكومة مطالبة بإجراء مراجعة شاملة لمعايير الاستحقاق، تأخذ في الاعتبار التغير الكبير في مستويات الأسعار، وتراجع القوة الشرائية للدخول، حتى تصبح منظومة الدعم أكثر عدالة، وتعكس الواقع الاقتصادي الحالي، لا الواقع الذي كان قائمًا قبل سنوات.

 

س: ما مدى تأثير حذف الأسر المستحقة من بطاقات التموين في ظل ارتفاع الأسعار؟

تأثير هذا الأمر بالغ الخطورة، لأن بطاقة التموين لم تعد مجرد وسيلة للحصول على بعض السلع المدعمة، وإنما أصبحت بالنسبة لملايين الأسر المصرية صمام أمان اجتماعيًا يحميها من الانزلاق إلى دائرة الفقر والعوز.

 

مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من ارتفاع الأسعار نتيجة التضخم الكبير الذي أعقب تخفيض قيمة الجنيه، وهو ما أدى إلى زيادة تكاليف الغذاء والدواء والمواصلات والخدمات الأساسية، بينما لم تشهد دخول غالبية المواطنين الزيادة نفسها، فتراجعت قدرتهم الشرائية بصورة واضحة.

 

وأخطر ما أفرزته هذه التطورات هو تآكل الطبقة المتوسطة، التي كانت تاريخيًا تمثل عماد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأصبحت قطاعات واسعة منها تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية.

 

لذلك فإن حذف أسرة مستحقة من بطاقة التموين في مثل هذه الظروف لا يعني فقط فقدانها قيمة الدعم، وإنما يعني زيادة الأعباء المعيشية عليها بصورة قد تدفعها إلى الاستغناء عن احتياجات أساسية أو الاقتراض أو الوقوع تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية شديدة.

 

والنجاح الحقيقي لمنظومة الدعم لا يقاس بعدد من تم حذفهم، وإنما يقاس بمدى وصول الدعم إلى كل من يستحقه، لأن فلسفة الدعم في الأساس هي تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية.

 

س: هل ترى ضرورة إخطار المواطن قبل حذفه من البطاقة التموينية ومنحه فرصة لتحديث بياناته؟

بكل تأكيد، فهذا حق أصيل للمواطن قبل أن يكون إجراءً إداريًا. فلا يجوز أن يفاجأ المواطن بحذف اسمه أو اسم أسرته من بطاقة التموين دون أن يعلم أسباب هذا القرار أو يُمنح فرصة لتصحيح ما قد يكون ورد في بياناته من أخطاء أو استكمال ما ينقصها من مستندات.

 

الدولة المصرية، وهي تمضي بخطى ثابتة نحو التحول الرقمي، تمتلك من الوسائل والإمكانات ما يسمح بإخطار المواطن قبل اتخاذ أي قرار يمس حقوقه الاجتماعية، سواء من خلال الرسائل النصية، أو تطبيق "مصر الرقمية"، أو مكاتب التموين، أو أي وسيلة اتصال أخرى، بما يحقق أعلى درجات الشفافية ويحافظ على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

 

كما أن العدالة تقتضي أن يسبق القرار النهائي مرحلة للمراجعة والتظلم، لأن الخطأ وارد في أي قاعدة بيانات، وقد يكون المواطن مستحقًا للدعم بالفعل، لكن بعض البيانات لا تعكس ظروفه الحقيقية، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية المتسارعة التي شهدتها البلاد.

 

والهدف ليس مجرد تطبيق إجراءات إدارية، وإنما حماية الأسر المصرية من الوقوع تحت ضغوط معيشية إضافية، واحترام حق المواطن في العلم والتظلم يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويؤكد أن الدولة لا تستهدف التضييق على المواطنين، وإنما تسعى إلى تحقيق العدالة في توزيع الدعم.

 

س: ما الرسالة التي تود توجيهها للحكومة ووزارة التموين بشأن هذا الملف؟

رسالتي إلى الحكومة ووزارة التموين تنطلق من الحرص على نجاح منظومة الدعم وتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس من معارضة مبدأ تنقية البطاقات التموينية في حد ذاته.

 

الدولة مطالبة اليوم بأن تعيد تقييم هذا الملف في ضوء المتغيرات الاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، فبعد الاستجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي، وما ترتب عليها من تخفيض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار سبع مرات، شهد الاقتصاد موجة تضخمية كبيرة انعكست على أسعار جميع السلع والخدمات، وأدت إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن بصورة غير مسبوقة.

 

هذه التطورات لم تقتصر آثارها على محدودي الدخل، وإنما امتدت إلى الطبقة المتوسطة، التي طالما كانت "رمانة الميزان" في المجتمع المصري، فأصابها التآكل والانكماش، وأصبحت قطاعات واسعة منها تعاني صعوبة حقيقية في توفير احتياجاتها الأساسية.

 

وأرى أن المشكلة الحقيقية لم تعد تتمثل في وجود غير مستحقين داخل منظومة الدعم، وإنما في أن هناك مستحقين جدداً لم تشملهم المنظومة رغم أن ظروفهم الاقتصادية تغيرت بالكامل.

 

لذلك فإن الأولوية في هذه المرحلة ليست تنقية بطاقات التموين، وإنما التوسع في مظلة الحماية الاجتماعية، وإعادة فتح باب إضافة الأسر التي دفعتها الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار إلى دائرة الاحتياج.

 

كما أصبح من الضروري مراجعة معايير الاستحقاق بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد، وليس وفق معايير وضعت قبل سنوات في ظروف اقتصادية مختلفة تمامًا.

 

وأؤكد أن دعم السلع الأساسية ليس عبئًا على الدولة، بل هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، لأن المجتمع الذي يشعر مواطنوه بالأمان الغذائي يكون أكثر قدرة على الإنتاج والعمل والمشاركة في جهود التنمية.

 

وأدعو الحكومة إلى أن تنظر إلى منظومة الدعم باعتبارها أحد أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية التي نص عليها الدستور، وأن يكون هدفها في هذه المرحلة هو توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، لا تضييقها. 

 

فالمواطن المصري تحمل الكثير خلال السنوات الماضية، وشارك بصبر وإخلاص في تحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي، ومن حقه اليوم أن يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه، وتحميه من آثار التضخم وارتفاع الأسعار، حتى نعبر جميعًا هذه المرحلة الصعبة، ونحافظ على تماسك المجتمع واستقراره.

تم نسخ الرابط