"العدالة لا تنتظر".. نيفين فارس تكشف رؤيتها بشأن تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية
أكدت النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل، أن الجدل الدائر حول قانون الإجراءات الجنائية لا يقتصر على مناقشة نصوص قانونية أو تعديلات تشريعية فحسب، وإنما يرتبط في جوهره بشكل العدالة التي يسعى المجتمع إلى ترسيخها، باعتبار أن قانون الإجراءات الجنائية يمثل الإطار الأكثر حساسية للعلاقة بين الدولة والمواطن، ويوازن بين حق المجتمع في مواجهة الجريمة، وحق الإنسان في ألا تتحول الإجراءات القانونية إلى عقوبة قبل ثبوت إدانته.
قانون الإجراءات الجنائية
وقالت فارس في تصريحات لـ “البرلمان”، إن التعامل مع الحديث عن إدخال تعديلات جديدة على القانون لا ينبغي أن يكون من خلال الرفض أو القبول المطلق، موضحة أن القانون يحتاج إلى مراجعة كبيرة، لكن هذه المراجعة يجب أن تتم وفق رؤية تشريعية هادئة ودراسة حقيقية للأثر المترتب على النصوص، وليس باعتبارها مجرد رد فعل على قرار تأجيل تطبيق القانون.
وأشارت إلى أن القانون صدر بعد نقاش طويل، كما أُدخلت عليه بالفعل تعديلات قبل إصداره، من بينها تعديلات عززت بعض ضمانات الحقوق والحريات، إلى جانب التوسع في بدائل الحبس الاحتياطي.
وأضافت أن السؤال الأهم في المرحلة الحالية لا يتمثل في «هل القانون قابل للتطبيق أم غير قابل للتطبيق؟»، وإنما في مدى استعداد مؤسسات الدولة لتطبيقه بالشكل الذي يحقق أهدافه وضماناته.
تأجيل التطبيق حتى أكتوبر 2027
وأوضحت النائبة نيفين فارس أن تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية إلى أكتوبر 2027 جاء رسميًا لإتاحة الوقت أمام الدولة لاستكمال المتطلبات التنظيمية والتقنية والبشرية اللازمة لتطبيق القانون، ومن بينها استكمال أعمال الرقمنة، وقواعد البيانات، والتقاضي عن بعد، وتدريب العاملين، إلى جانب اختبار المنظومة بصورة كافية قبل بدء تشغيلها بشكل كامل.
وقالت إن الدولة إذا كانت تحتاج إلى عام حتى تصبح مستعدة لتطبيق القانون، فيجب أن يتحول هذا العام إلى فرصة لإجراء تقييم حقيقي، ورصد النصوص التي تحتاج إلى تعديل، والاستماع إلى القضاة وأعضاء النيابة والمحامين، ودراسة الأثر التشريعي لمختلف النصوص، ثم إدخال أي تعديلات ضرورية قبل حلول موعد التطبيق.
الحبس الاحتياطي لا يحتاج إلى انتظار القانون الجديد
وأكدت عضو مجلس الشيوخ أن هناك عددًا من الملفات المهمة التي لا تحتاج إلى انتظار دخول القانون الجديد حيز التنفيذ حتى تبدأ الدولة في التعامل معها، وعلى رأسها ملف الحبس الاحتياطي وأوضاع المحبوسين احتياطيًا وسجناء الرأي.
وأوضحت أن الحبس الاحتياطي في فلسفته القانونية هو إجراء احترازي وليس عقوبة، مشيرة إلى أنه عندما تطول مدة هذا الإجراء إلى الحد الذي يشعر معه الإنسان بأنه يقضي عقوبة قبل صدور حكم قضائي بحقه، فإن الأمر يتجاوز مجرد وجود مشكلة في نص قانوني، ليصبح سؤالًا أوسع يتعلق بمعنى العدالة نفسها.
وأشارت إلى أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد كان قد تضمن بالفعل توسعًا في بدائل الحبس الاحتياطي، كما وضع آلية للعرض الدوري لأوراق القضية على النائب العام كل ثلاثة أشهر طوال فترة استمرار الحبس الاحتياطي.
لا تعديلات عشوائية على مواد القانون
وفيما يتعلق بالمواد التي قد تحتاج إلى تعديل، قالت النائبة نيفين فارس إنها لا تفضل وضع قائمة مسبقة بالمواد التي يجب تعديلها قبل اختبار أثرها بصورة حقيقية.
وأوضحت أن هناك عددًا من الملفات التي تستحق المراجعة دون شك، من بينها الحبس الاحتياطي وبدائله ومدده، وضمانات الدفاع، والإجراءات المرتبطة بالتفتيش ودخول المساكن، والإعلان الإلكتروني والتقاضي عن بعد، إلى جانب بعض ضمانات المحاكمة وطرق الطعن.
وأكدت أن التعديل التشريعي الجيد لا يتمثل في البحث عن مادة لتغييرها لمجرد التعديل، وإنما يبدأ بطرح سؤال أساسي: ما المشكلة التي تسببت فيها هذه المادة؟ وهل المشكلة ناتجة عن النص نفسه، أم عن طريقة تطبيقه؟
وقالت إن هذه النقطة تحديدًا يجب أن تكون محل اهتمام عند تقييم القانون ومراجعته، مشيرة إلى أن كل تأجيل لا يعني بالضرورة أن القانون غير صالح، كما أن كل تعديل لا يعني بالضرورة أن القانون السابق كان خاطئًا.
وأضافت أن الخطأ قد يحدث أحيانًا عندما تتم كتابة النص القانوني قبل إعداد البيئة والمنظومة التي سيطبق فيها، وهو ما يستدعي الربط بين جودة التشريع ومدى جاهزية المؤسسات لتطبيقه بصورة تحقق أهدافه.
العدالة ليست مجرد نصوص قانونية
وأكدت النائبة أن القانون في النهاية ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق العدالة.
وقالت إن المجتمع يحتاج إلى قانون إجراءات جنائية قوي في مواجهة الجريمة، لكن القوة الحقيقية للقانون لا تقاس فقط بمقدار السلطات التي يمنحها، وإنما أيضًا بمقدار الضمانات التي يضعها لمنع إساءة استخدام السلطة.
وشددت على أن الدولة القوية هي التي تستطيع حماية المجتمع وفي الوقت نفسه الحفاظ على كرامة الإنسان وحقه في الحرية والمحاكمة العادلة.
واختتمت النائبة نيفين فارس تصريحاتها بالتأكيد على أن تأجيل قانون الإجراءات الجنائية يجب ألا يعني تأجيل العدالة، وألا يعني مطالبة المواطن بالانتظار عامًا آخر حتى تبدأ الحريات في أخذ مكانها الطبيعي داخل منظومة العدالة الجنائية.
وأكدت أن المطلوب لا يقتصر فقط على وجود قانون جديد للإجراءات الجنائية، وإنما يتطلب أن تصبح الإجراءات نفسها أكثر عدلًا، لأن العدالة التي تتأخر في حماية الحرية تفقد جزءًا من معناها.