التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.. لماذا يبقى القانون حبيس النصوص رغم إنقاذ آلاف الأرواح؟

منظومة التبرع بالأعضاء
منظومة التبرع بالأعضاء

رغم وجود تشريع ينظم عمليات زراعة الأعضاء البشرية ويجرّم الاتجار بها، لا تزال منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين، خاصة حالات الوفاة الدماغية، تواجه عقبات تحول دون تفعيلها بصورة عملية في مصر، لتظل عمليات التبرع بالأعضاء قائمة بصورة أكبر على المتبرعين الأحياء، في حالات مثل نقل جزء من الكبد أو إحدى الكليتين بين الأقارب.

 

ويفتح هذا الملف تساؤلات حول أسباب تعثر الانتقال إلى منظومة التبرع من المتوفين، في ظل حاجة آلاف المرضى إلى أعضاء كاملة لا يمكن توفيرها من المتبرعين الأحياء، مثل بعض حالات الفشل القلبي أو الرئوي المتقدم.

 

تأتي هذه الإشكالية رغم صدور القانون رقم 5 لسنة 2010، والمعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2017، لتنظيم عملية زراعة الأعضاء البشرية وتجريم الاتجار بها.

 

قانون زراعة الأعضاء

وترى النائبة أميرة فؤاد، عضو مجلس النواب، أن منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين لم تدخل حتى الآن حيز التطبيق العملي بالصورة المطلوبة، في ظل استمرار الاعتماد بصورة شبه كاملة على التبرع من الأحياء.

 

وأشارت في تصريحات خاصة لـ"البرلمان" إلى أن عدم تفعيل التبرع من حالات الوفاة الدماغية يحرم مرضى يعانون من حالات فشل عضوي متقدمة من فرص علاج تعتمد بصورة أساسية على نقل عضو كامل، فضلًا عن أن استمرار الاعتماد على المتبرعين الأحياء يقتصر في الأساس على أعضاء محددة، ويحمل المتبرع مخاطر وتبعات جراحية.

 

"الموت الدماغي" عقدة طبية وقانونية

تأتي إشكالية تعريف الوفاة الدماغية وتشخيصها في مقدمة العقبات التي تعرقل منظومة التبرع من المتوفين.

 

وتوضح أميرة فؤاد أن التبرع من حالات الوفاة الدماغية يرتبط بالاعتماد على مفهوم موت جذع المخ، مع استمرار عمل القلب من خلال أجهزة التنفس الصناعي، وهو ما يجعل عملية إثبات الوفاة بحاجة إلى معايير طبية دقيقة وبروتوكولات واضحة وموحدة.

 

وتبرز هنا مخاوف قانونية لدى الأطباء، خاصة في ظل عدم وجود آلية إجرائية واضحة ومجمع عليها بصورة كافية لتحديد الوفاة الدماغية، وهو ما قد يضع الطبيب أمام احتمالات المساءلة إذا جرى فصل أجهزة الإعاشة تمهيدًا لاستئصال الأعضاء.

 

غياب الشبكة القومية يعطل نقل الأعضاء

ولا تتوقف العقبات عند التشخيص الطبي، إذ تتطلب منظومة نقل الأعضاء من المتوفين بنية تحتية متكاملة تبدأ من لحظة تسجيل حالة الوفاة الدماغية وحتى وصول العضو إلى المريض المستحق.

 

وتشير النائبة إلى غياب قاعدة بيانات موحدة وشبكة قومية تربط بين قوائم انتظار المرضى، وما تتضمنه من بيانات التوافق، وبين المستشفيات التي يمكن أن تسجل حالات الوفاة الدماغية بصورة فورية.

 

كما تبرز الحاجة إلى كوادر مدربة للتعامل مع أسر المتوفين في لحظات شديدة الحساسية، إلى جانب فرق متخصصة في حفظ الأعضاء ونقلها سريعًا، خاصة أن بعض الأعضاء، مثل القلب والرئتين والكبد، ترتبط صلاحيتها بفترة زمنية محدودة للغاية بعد الوفاة.

 

“الموافقة الصريحة” في مواجهة وصية المتوفى

وتطرح آلية الحصول على الموافقة نفسها تحديًا آخر أمام تفعيل المنظومة، فالقانون يشترط توثيق الموافقة على التبرع مسبقًا قبل الوفاة، سواء أمام الشهر العقاري أو من خلال إقرار رسمي، إلا أن تنفيذ إرادة المتوفى قد يصطدم برفض أفراد أسرته عند حدوث الوفاة.

 

وتلفت أميرة فؤاد إلى الفارق بين النموذج المصري القائم على «الموافقة الصريحة» أو Opt-in، وبين أنظمة أخرى تعتمد «الرفض الصريح» أو Opt-out، حيث يُعتبر الشخص متبرعًا ما لم يسجل رفضه لذلك مسبقًا.

 

الثقافة المجتمعية.. عقبة أمام التبرع

وتظل الثقافة المجتمعية واحدة من أبرز التحديات أمام انتشار فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، خاصة مع ارتباط الأمر لدى بعض المواطنين بمفهوم حرمة جسد المتوفى والخوف من المساس به.

 

ورغم وجود فتاوى رسمية من دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف تجيز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة وفق ضوابط شرعية، لا تزال حالة من التردد والقلق قائمة لدى قطاعات من المواطنين، بل وتمتد في بعض الأحيان إلى العاملين في المجال الطبي.

 

"وصية المتوفى".. هل تنتصر أمام رفض الأسرة؟

وفي السياق نفسه، يرى الدكتور أحمد محسن قاسم، أمين تنظيم حزب الجيل الديمقراطي، أن مقترح النائبة أميرة صابر بشأن التوصية بالتبرع بالأعضاء والجلد والأنسجة بعد الوفاة يمثل خطوة مهمة تستحق إدراجها ضمن المنظومة الطبية المصرية، خاصة لما يحمله الملف من أبعاد إنسانية وإنقاذ لحياة المرضى.

 

ويضع قاسم في بيان له تنفيذ وصية المتوفى أمام واحدة من أصعب العقبات، والمتمثلة في احتمالية رفض الأسرة، سواء من الآباء أو الأبناء أو الإخوة، تنفيذ الوصية المتعلقة بالتبرع.

 

وتزداد حساسية الأمر عند الحاجة إلى إبلاغ الجهات المختصة بالوفاة وتسليم الجثمان لإتمام عملية نقل الأعضاء أو الأنسجة، ثم استلام ما يتبقى منه تمهيدًا للدفن، وهو ما قد يمثل ضغطًا نفسيًا وإنسانيًا كبيرًا على الأسرة.

 

“العار والعيب”.. مفاهيم اجتماعية تعرقل الفكرة

ويلفت قاسم إلى أن الصعوبة قد تكون أكبر في بعض المجتمعات المنغلقة، خاصة في الأقاليم والصعيد، حيث ترتبط الوفاة في بعض البيئات بمفاهيم اجتماعية شديدة الحساسية، مثل «العيب» و«العار»، فضلًا عن العادات المرتبطة بفترات الحداد.

 

ويرى أن هذه الثقافة قد تجعل الأسرة أكثر ترددًا في قبول فكرة التبرع بالأعضاء والجلد والأنسجة بعد وفاة أحد أفرادها، حتى في حالة وجود وصية واضحة من المتوفى.

 

مقترح لإنهاء صدام الأسرة مع وصية المتوفى

ويطرح قاسم ضرورة وضع نص قانوني واضح ينظم آلية تنفيذ وصية التبرع، مع إنشاء مسار مستقل للإبلاغ عن الوفاة واستلام الجثمان.

 

ويتضمن المقترح تسجيل وصية التبرع ضمن منظومة القيد في سجلات الوفاة، بحيث تتولى مكاتب الصحة إخطار بنك الأعضاء المختص، ونقل الجثمان قبل إصدار تصريح الدفن، بما يقلل من الحاجة إلى تدخل الأسرة بصورة مباشرة في الإجراءات.

 

كما يدعو إلى تجريم أي محاولة لمنع تنفيذ وصية المتوفى في الحالات التي تكون فيها الوصية موثقة ومحددة، باعتبار أن احترام إرادة الشخص بعد وفاته يمثل أساسًا لأي تشريع فعال في هذا الملف.

 

الإعلام والمسجد والكنيسة.. طريق بناء الثقة

ولا يرى قاسم أن تعديل التشريع وحده كافٍ لتفعيل منظومة التبرع بالأعضاء، إذ تحتاج القضية إلى تغيير تدريجي في الثقافة المجتمعية وبناء الثقة لدى المواطنين.

 

ويضع الإعلام في مقدمة الأدوات القادرة على تصحيح المفاهيم، إلى جانب دور المؤسسات الدينية، وعلى رأسها المسجد والكنيسة، في توضيح الموقف الشرعي والديني من التبرع بالأعضاء، بما يساعد على إزالة المخاوف المرتبطة بحرمة الجسد وتصحيح المعلومات المغلوطة.

 

ويبقى نجاح منظومة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة العقبات الطبية والقانونية، وإنشاء شبكة قومية متكاملة لنقل الأعضاء، ووضع آلية واضحة لتنفيذ وصية المتوفى، بالتوازي مع بناء وعي مجتمعي يضع إنقاذ حياة المرضى في قلب النقاش حول هذا الملف.

تم نسخ الرابط