لا "استزارة" لمن يتهرب من النفقة.. سلاح جديد في قانون الأسرة لضمان حقوق الطفل
لم يعد الجدل حول مشروع قانون الأسرة الجديد مقتصرًا على قضايا النفقة أو الحضانة والرؤية فقط، فمع كل مادة جديدة تتكشف ملامح مختلفة لفلسفة القانون المقترح، التي تسعى إلى إعادة تنظيم العلاقة بين أطراف الأسرة بعد الانفصال، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين الحقوق والواجبات، مع وضع “مصلحة الطفل الفضلى” كعنوان رئيسي يحكم مختلف التفاصيل.
تعريف الاستزارة
ومن بين أبرز المفاهيم الجديدة التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والاجتماعية، يبرز مصطلح “الاستزارة”، الذي يظهر للمرة الأولى بشكل واضح داخل مشروع قانون الأسرة الجديد، باعتباره نظامًا مختلفًا عن “الرؤية” التقليدية، وأكثر اتساعًا من حيث مدة تواجد الطفل مع الطرف غير الحاضن وطبيعة العلاقة بينهما.
ويفرد مشروع القانون الفصل الرابع بالكامل لتنظيم “الاستزارة”، عبر المواد من 148 حتى 156، واضعًا إطارًا قانونيًا دقيقًا يحدد من يحق له طلبها، ومدتها، وضوابط تنفيذها، وحالات وقفها أو إسقاطها، في محاولة لتنظيم العلاقة الأسرية بعد الانفصال بصورة أكثر تفصيلًا من القوانين الحالية.
وبحسب نص المادة 148، تُعرف الاستزارة بأنها اصطحاب صاحب الحق للمحضون بعد استلامه من الحاضن، لفترة زمنية محددة ثم إعادته مرة أخرى، مع إمكانية أن تشمل المبيت، وهو ما يجعلها تختلف عن “الرؤية” التي تقتصر غالبًا على ساعات محدودة داخل مكان محدد. ويخول مشروع القانون الحق في الاستزارة للطرف غير الحاضن من الوالدين، وفي حال عدم طلبها ينتقل الحق إلى الأجداد، مع التأكيد على أن المعيار الحاكم في جميع الأحوال هو “مصلحة المحضون الفضلى”.
ضوابط لتنظيم الاستزارة
وأقر المشروع عدة ضوابط لتنظيم الاستزارة، من بينها عدم قبول طلب الاستزارة للأطفال الأقل من خمس سنوات إلا باتفاق بين الطرفين، وبشرط أن تسمح الحالة الصحية للطفل بذلك.
كما حدد القانون مدة الاستزارة بما لا يقل عن 8 ساعات ولا يزيد على 12 ساعة شهريًا، على ألا تبدأ قبل الثامنة صباحًا أو تمتد لما بعد العاشرة مساءً، مع منع الجمع بين الاستزارة والرؤية في الأسبوع نفسه، إلا إذا رأت المحكمة غير ذلك وفقًا لمصلحة الطفل.
ولم يقتصر المشروع على ذلك، بل وسع نطاق “المبيت”، حيث أجاز مبيت المحضون لدى صاحب الحق في الاستزارة لمدة تتراوح بين يومين و4 أيام منفصلة شهريًا، إضافة إلى إمكانية طلب 4 فترات مبيت متصلة سنويًا، بشرط ألا يتجاوز مجموعها 30 يومًا خلال العام الميلادي.
وفي خطوة تستهدف منح مرونة أكبر، سمح المشروع بالنزول عن الحد الأدنى لمدة الاستزارة أو المبيت بناءً على طلب صاحب الحق نفسه.
وربط مشروع القانون بين الاستزارة والالتزام بالنفقة، إذ نصت المادة 149 على سقوط الحق في الاستزارة إذا امتنع صاحب الحق عن سداد نفقة المحضون رغم وجود سند تنفيذي يلزمه بذلك، ما لم يقدم عذرًا تقبله المحكمة.
كما أتاح القانون لصاحب الحق في الاستزارة اصطحاب الطفل مباشرة من محل الحضانة وإعادته إليه حال وجود اتفاق بين الطرفين، بينما تتدخل المحكمة لتنظيم الأمر حال تعذر الاتفاق، مع مراعاة أحكام الرؤية القائمة إن وجدت.
وفي المقابل، أقر المشروع عقوبات وإجراءات حال امتناع الحاضن عن تنفيذ حكم الاستزارة دون مبرر، إذ منح المحكمة سلطة نقل الحضانة مؤقتًا لمدة تصل إلى 3 أشهر لمن يليه في ترتيب الحضانة، مع إمكانية إسقاط الحضانة نهائيًا حال تكرار الامتناع دون عذر مقبول.
حالات وقف الاستزارة
وفي الوقت نفسه، منح المشروع للحاضن الحق في طلب وقف الاستزارة إذا امتنع الطرف الآخر عن استخدامها 3 مرات متتالية دون إخطار مسبق، وهو ما يعكس محاولة لتحقيق توازن في الالتزامات بين الطرفين.
كذلك أجاز القانون وقف تنفيذ حكم الاستزارة مؤقتًا في حال ظهور ظروف قهرية تمنع التنفيذ، سواء بالنسبة للحاضن أو لصاحب الحق فيها، على أن يكون القرار صادرًا من قاضي الأمور الوقتية بعد سماع أقوال الأطراف.
وأتاح المشروع كذلك إمكانية تعديل مكان وزمان الاستزارة باتفاق الأطراف، أو تعديل الحكم القضائي المنظم لها إذا استجدت ظروف جديدة تستدعي ذلك، بما يضمن استمرار مراعاة مصلحة الطفل باعتبارها الأساس الحاكم لجميع الإجراءات.
ورغم التوسع في تنظيم الاستزارة، أكد المشروع بشكل صريح عدم تنفيذ أحكامها جبريًا بواسطة السلطات العامة، في محاولة لتجنب التأثيرات النفسية السلبية على الطفل الناتجة عن التنفيذ القسري.