المعلم بين التعنيف والتكريم.. 3 نواب يطالبون بإصلاح منظومة التعليم من الجذور

واقعة المدرسة محافظة
واقعة المدرسة محافظة القليوبية

أعادت واقعة مدرسة برقطا بمحافظة القليوبية، وما تبعها من تكريم مدير المدرسة وعدد من القيادات التعليمية، فتح ملف أوسع يتعلق بأوضاع المعلمين ومديري المدارس، وطريقة إدارة منظومة التعليم، ومدى قدرة الوزارة على معالجة المشكلات من جذورها بدلًا من التحرك بعد تصاعد الأزمات ووصولها إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

 

الواقعة دفعت عددًا من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ إلى طرح تساؤلات حول حدود مسؤولية القيادات التعليمية، وأسلوب التعامل مع مديري المدارس خلال الجولات الميدانية، إلى جانب أوضاع المعلمين من حيث الأجور والتدريب والعجز وكثافة الفصول، فضلًا عن أولويات الإنفاق داخل منظومة التعليم.

 

الأولى تكريم المعلمين قبل تصاعد الأزمات

وانتقدت النائبة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، ما وصفته بمحاولات تحويل تكريم المعلمين ومديري المدارس عقب واقعة مدرسة برقطا إلى مناسبة للاحتفاء، معتبرة أن تكريم المعلم يجب ألا يرتبط بوقوع أزمة أو تحول الواقعة إلى تريند على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وكتبت إيرين سعيد عبر صفحتها الشخصية على موقع «فيس بوك»: «أسفة إني هضيع بهجة التريند الجميل ده، للتذكرة ليس إلا»، مستعيدة واقعة وفاة مدير إدارة الباجور التعليمية بمحافظة المنوفية عقب زيارة وزير التربية والتعليم، وما أثير وقتها بشأن تعرضه للتعنيف أمام الكاميرات.

 

وأضافت النائبة: «ولا أرى في هذه الصورة إلا مكايدة سياسية، لا دفاعًا عن محافظ القليوبية ولا تقليلًا من دور الأساتذة الأفاضل».

 

ورأت إيرين سعيد أن تكريم المعلمين كان يجب أن يبدأ من توفير معاملة لائقة ومرتبات محترمة وتدريب حقيقي، بدلًا من انتظار تصاعد الأزمات ووصولها إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

 

 دراسة الاحتياجات الفعلية للمدارس

كما دعت الوزارة إلى دراسة الاحتياجات الفعلية للمدارس، وعدم ترك الأعباء على صغار الموظفين وتحميلهم المسؤولية كاملة عن مشكلات تتعلق في الأساس بالإمكانات والموارد.

 

وانتقدت النائبة تكريم المعلمين عقب الواقعة، قائلة: «لا أرى في تكريمهم بطولة، لأن من بدأ بتعنيف المدرسين أمام الكاميرات ذاته هو من يكرمهم الآن».

 

وفي ختام حديثها، شددت على احترامها للمعلمين والفرق الصحية، ووصفت المنظومتين بأنهما «مظلومين ماديًا ومعنويًا ومتحملين فوق طاقتهم».

 

واقعة القليوبية جرس إنذار

من جانبه، اعتبر النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، أن واقعة محافظ القليوبية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها واقعة منفصلة، وإنما كجرس إنذار يستوجب مراجعة أسلوب الإدارة والمساءلة داخل وزارة التربية والتعليم، وبالأخص داخل مكتب الوزير.

 

وربط الشهابي الواقعة بما سبقها من ملابسات في قضية مدير عام إدارة الباجور التعليمية بالمنوفية الراحل أسامة أحمد البسيوني، وما أثير حول تعرضه للوم والإهانة خلال زيارة رسمية، وما شكا منه قبل وفاته.

 

وأشار إلى أن واقعة الباجور تطرح تساؤلات حول مصير المسؤولين والشهود عليها، موضحًا أن الدكتور محمد صلاح محمد أحمد، مدير مديرية التربية والتعليم بالمنوفية آنذاك، أعلن شهادته بشأن اتصال الراحل به وشكواه مما تعرض له، ثم غادر منصبه مديرًا للمديرية، وانتقل إلى مدير إدارة الزمالك التعليمية، قبل أن يُعفى من هذا الموقع لاحقًا.

 

وفي المقابل، لفت رئيس حزب الجيل إلى أن المسؤول الذي ارتبط اسمه بالواقعة، وفق شهادة مدير المديرية، استمر في موقعه، وأُسندت إليه مسؤوليات إضافية، من بينها الإشراف على الإدارة المركزية لشئون مكتب الوزير، إلى جانب مسؤوليته عن التخطيط الاستراتيجي والمتابعة.

 

وطرح الشهابي عددًا من التساؤلات حول القرارات الوظيفية التي أعقبت الواقعة، قائلًا: «هل كانت شهادة مدير المديرية سببًا في مساره الوظيفي؟ ومن اتخذ هذه القرارات وعلى أي أساس؟ وإذا كان المسؤول بريئًا من أي مخالفة، فلماذا لا تعلن نتائج التحقيق بوضوح؟».

 

خطة استراتيجية واضحة ومعلنة

كما ربط بين هذه المسؤوليات وبين واقع تطوير التعليم، متسائلًا عن وجود خطة استراتيجية واضحة ومعلنة، ونتائج التخطيط والمتابعة، والجهة التي تقيس الأداء وتحاسب المسؤولين عن النتائج.

 

وشدد الشهابي على أن إصلاح التعليم لا يتحقق بمجرد تغيير مسؤول، وإنما يتطلب مراجعة حقيقية لأسلوب إدارة الملفات داخل الوزارة ومكتب الوزير، وتحديد الاختصاصات، ومنع تركز السلطات والمسؤوليات دون رقابة وتقييم ومساءلة.

 

وأكد أن القضية، من وجهة نظره، ليست تصفية حسابات مع أشخاص، وإنما تتعلق بـ«عدالة إدارية ومساءلة مؤسسية»، مطالبًا بكشف حقيقة واقعة الباجور، ومراجعة القرارات الوظيفية التي أعقبتها، وإعلان نتائج التحقيقات.

 

واختتم الشهابي بالتأكيد على أن واقعة القليوبية يجب أن تكون «جرس إنذار»، وأن واقعة الباجور لا ينبغي أن تُنسى، مشددًا على أن «لا أحد فوق المساءلة، والمناصب ليست حصانة، والمسؤولية تعني السلطة والمحاسبة معًا».

 

الحضن لا يرفع راتبًا ولا يسد عجزًا

وفي السياق نفسه، تقدم الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء التربية والتعليم والتعليم الفني والمالية والتنمية المحلية، بشأن أوضاع المعلمين، وجاهزية المدارس الحكومية، واختلال أولويات الإنفاق على التعليم.

 

وانطلق البياضي من مشهد احتضان وزير التربية والتعليم لمدير مدرسة برقطا بعد تعرضه للتعنيف العلني خلال جولة محافظ القليوبية، معتبرًا أن المشهد قد يمثل جبرًا للخاطر وردًا للاعتبار، لكنه لا يعالج الأسباب الأساسية التي أوصلت مدير المدرسة والمعلمين إلى هذا الموقف.

 

وقال البياضي: «الحضن لا يرفع راتبًا، ولا يسد عجزًا في المعلمين، ولا يخفض كثافة فصل، ولا يصلح سورًا أو مقعدًا أو دورة مياه».

 

أزمة المعلم تتجاوز مشهد التكريم

وضع النائب أزمات المعلمين في مقدمة الملفات التي طالب الحكومة بالتعامل معها، مشيرًا إلى ضعف الأجور، والعجز في أعداد المعلمين، وزيادة الحصص والأعباء، وارتفاع كثافة الفصول، وضعف الإمكانات، فضلًا عن اضطرار بعض المعلمين ومديري المدارس إلى المساهمة من أموالهم الخاصة في توفير احتياجات أساسية للمدارس.

 

وانتقد البياضي ما وصفه بتوجيه مليارات الجنيهات إلى أجهزة التابلت والمشروعات التكنولوجية، في الوقت الذي لا تزال فيه مشكلات المعلم والفصل والمدرسة قائمة.

 

وطرح تساؤلات مباشرة حول جدوى الإنفاق التكنولوجي في ظل استمرار أزمات البنية الأساسية، قائلًا: «ما قيمة التابلت دون معلم كافٍ ومدرب؟ وما قيمة المناهج الجديدة داخل فصل مزدحم؟ وما معنى الرقمنة في مدرسة بلا سور آمن أو إنترنت مستقر أو مقاعد ومرافق صالحة؟».

 

وأكد أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة مساعدة في تطوير العملية التعليمية، لكنها لا يمكن أن تحل محل المعلم أو تعالج تهالك المباني وارتفاع كثافات الفصول.

 

جاهزية المدارس وأولويات الإنفاق

وطالب البياضي الحكومة بالكشف عن حجم العجز الحقيقي في أعداد المعلمين على مستوى الجمهورية، مع توزيعه بحسب المحافظات والتخصصات والمراحل التعليمية، إلى جانب وضع خطة زمنية واضحة للتعيينات والتعاقدات اللازمة لسد العجز.

 

كما طالب بإعلان متوسط الدخل الفعلي للمعلم، ومدى تناسبه مع مسؤولياته وتكاليف المعيشة، فضلًا عن حجم الموازنة المخصصة لتدريب المعلمين، وعدد المستفيدين من التدريب المهني، وآليات قياس أثره على الأداء داخل الفصول.

 

وتضمن السؤال البرلماني المطالبة بحصر المدارس، خاصة في القرى والنجوع والمناطق النائية، التي تبدأ العام الدراسي وهي تعاني نقص المعلمين أو تهالك المباني والأسوار والمقاعد أو عدم اكتمال خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

 

كما طالب البياضي الحكومة بتوضيح أسباب عدم إعطاء الأولوية لرفع أجور المعلمين وسد العجز وخفض كثافات الفصول وتأمين المدارس وصيانتها، قبل الإنفاق على الأجهزة والمشروعات التي لم تقدم الحكومة، بحسب تعبيره، تقييمًا واضحًا لعائدها التعليمي.

 

وطالب كذلك بإجراء تقييم مستقل لمنظومة التابلت، يشمل عدد الأجهزة المستخدمة فعليًا، ونسب التعطل، وتكاليف التشغيل والصيانة، ومدى انعكاس الإنفاق عليها على مستوى الطلاب وجودة العملية التعليمية.

 

لماذا تتحرك الوزارة بعد «التريند»؟

لم تتوقف تساؤلات البياضي عند الأجور أو الإمكانات، وإنما امتدت إلى آليات المتابعة داخل الوزارة، متسائلًا عن أسباب تحرك وزارة التربية والتعليم بعد انتشار الأزمات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا من وجود منظومة رقابة ومتابعة قادرة على اكتشاف أوجه القصور قبل تحولها إلى أزمات علنية.

 

كما انتقد استمرار الحكومة في تقديم موازنات للتعليم، يرى أنها تقل عن الحد الأدنى المقرر دستوريًا، مطالبًا بالكشف عن كيفية احتساب نسبة الإنفاق على التعليم ومدى الالتزام بالمادة 19 من الدستور، التي تقرر تخصيص نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي.

 

وطالب الحكومة بتوضيح البنود التي تدخل ضمن حساب النسبة الدستورية، وما إذا كانت تتضمن مصروفات لا تمثل إنفاقًا مباشرًا على العملية التعليمية.

 

اختتم البياضي موقفه بالتأكيد على أن آلاف المعلمين يعملون بعيدًا عن الكاميرات، خصوصًا في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، وأن هؤلاء يحتاجون إلى أجور عادلة وتدريب حقيقي وأعداد كافية من المعلمين وبيئة عمل آمنة.

 

وقال: «ليس بالحضن وحده يحيا الأستاذ؛ بل بالكرامة والأجر العادل والتدريب الجيد وبيئة العمل الآمنة».

 

وبينما تحول تكريم مدير مدرسة برقطا إلى مشهد لافت حظي بتفاعل واسع، تكشف مواقف النواب أن الواقعة تجاوزت حدودها باعتبارها خلافًا خلال جولة ميدانية، لتفتح نقاشًا أوسع حول علاقة القيادات التعليمية بالمدارس، وآليات المساءلة، وأوضاع المعلمين، ومدى وصول خطط تطوير التعليم إلى الفصل نفسه، بعيدًا عن البيانات والمشاهد الاحتفالية.

تم نسخ الرابط