دراسة لـ«مسارات» ترصد تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية على الأمن الأورومتوسطي
أصدر مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية دراسة جديدة للباحث والصحفي الجزائري بودومي مصطفى، الباحث في العلاقات الدولية والدراسات الإفريقية، تتناول تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وانعكاساتها على أمن الطاقة والملاحة والفضاء الأورومتوسطي.
وتوضح الدراسة أن تداعيات الحرب لم تقتصر على منطقة الخليج، وإنما امتدت إلى أسواق الطاقة والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط وأوروبا وشمال إفريقيا، بما كشف عن الترابط المتزايد بين أمن الخليج والأمن الأورومتوسطي.
وترى الدراسة أن اضطراب مضيق هرمز كشف تحول الممرات البحرية من مجرد طرق للتجارة والطاقة إلى أدوات استراتيجية في الصراع الدولي، إذ يمكن للتحكم في نقاط الاختناق أن يمنح الدول قدرة على التأثير في الأسواق وسلاسل الإمداد تتجاوز أحيانًا وزنها الاقتصادي التقليدي.
كما تبحث الدراسة في تأثير الأزمة على أمن الطاقة الأوروبي، خاصة في ظل إعادة أوروبا صياغة منظومة الطاقة عقب الحرب الروسية–الأوكرانية، وتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر وطرق الإمداد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الجزائر وليبيا ومصر وتركيا وإيطاليا، باعتبارها دولًا ترتبط بمصادر الطاقة أو الممرات البحرية والبنية التحتية اللازمة لتنويع الإمدادات الأوروبية. وتؤكد الدراسة أن المتوسط لا يمكن أن يحل محل الخليج بالكامل، لكنه يمثل مجالًا بديلًا ومكملًا في استراتيجية أمن الطاقة الأوروبية.
من هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس
وتشير الدراسة إلى أن اضطرابات هرمز، بالتزامن مع المخاطر الأمنية في باب المندب والبحر الأحمر، رفعت تكاليف النقل والتأمين وأعادت طرح مخاطر تحويل السفن إلى طرق أطول، بما يؤثر على التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتؤكد أن هرمز وباب المندب وقناة السويس والمتوسط يجب النظر إليها كسلسلة أمن بحري مترابطة، وهو ما يعزز الأهمية الاستراتيجية لمصر في منظومة التجارة والطاقة والأمن البحري الدولي.
وفي تصريح له، أوضح الباحث والصحفي الجزائري بودومي مصطفى أن الحرب الأمريكية–الإيرانية كشفت أن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية منفصلة، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط وأوروبا. وأشار إلى أن أهمية الأزمة لا تكمن فقط في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل، وإنما في التحول المتزايد للممرات البحرية ونقاط الاختناق إلى أدوات استراتيجية في إدارة الصراعات الدولية.
وأضاف أن هذه التطورات تمنح دول جنوب المتوسط، وفي مقدمتها مصر والجزائر، أهمية جيوسياسية متزايدة في حسابات أمن الطاقة والملاحة الأوروبية، مؤكدًا أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في بناء منظومة أكثر مرونة لتنويع مصادر الطاقة وتأمين الممرات البحرية، دون السماح بتحول المتوسط إلى امتداد جديد للصراع الأمريكي–الإيراني.

القوى الكبرى والاستقلال الاستراتيجي الأوروبي
وتتناول الدراسة تداعيات الحرب على الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن واشنطن لا تزال تمثل القوة الرئيسية القادرة على حماية الممرات البحرية، بينما قد تستفيد روسيا من اضطراب أسواق الطاقة وانشغال الولايات المتحدة في المنطقة. كما تبرز تركيا بوصفها حلقة وصل جغرافية بين الخليج والبحر الأسود والمتوسط وأوروبا، في حين أعادت الحرب اختبار مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، في ظل حاجة أوروبا إلى المظلة الأمنية الأمريكية بالتوازي مع سعيها إلى تقليل الاعتماد عليها.
أربعة سيناريوهات للمستقبل
وتطرح الدراسة أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنطقة: التهدئة وإعادة فتح هرمز، استمرار حرب منخفضة الوتيرة وأزمة الممرات البحرية، التصعيد الإقليمي الواسع، وإعادة تشكيل جيوسياسية للفضاء الأورومتوسطي. وترى الدراسة أن السيناريو الأخير يمثل التحول الأهم على المدى المتوسط، مع احتمال تزايد أهمية دول جنوب المتوسط في الاستراتيجية الأوروبية المتعلقة بالطاقة والموانئ والممرات البحرية. وتخلص الدراسة إلى أن التأثير الأهم للحرب الأمريكية–الإيرانية لا يتمثل فقط في ارتفاع أسعار النفط والغاز، وإنما في إعادة تعريف الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة والممرات البحرية.
وتؤكد أن أمن الخليج والبحر الأحمر والمتوسط وأوروبا أصبح جزءًا من منظومة أمنية مترابطة، بما يفرض على أوروبا ودول المتوسط تنويع مصادر الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وتطوير ترتيبات أمنية أكثر استقلالية، مع تجنب تحويل المتوسط إلى جبهة جديدة للصراع بين القوى الكبرى.
وتأتي هذه الدراسة في إطار الإصدارات البحثية التي يقدمها مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، والتي تستهدف تقديم قراءات تحليلية معمقة للتحولات الجيوسياسية والأمنية المتسارعة، ورصد تداعياتها على المستويين الإقليمي والدولي، مع التركيز على استشراف المسارات المحتملة للأزمات وتحديد انعكاساتها على موازين القوى ومصالح الدول.
كما تعكس الدراسة اهتمام المركز بتحليل القضايا المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية والتنافس الدولي والتحولات الاستراتيجية في منطقتي الشرق الأوسط والبحر المتوسط، بما يسهم في دعم النقاش البحثي وتقديم رؤى وتقديرات تساعد على فهم التحديات الراهنة واستشراف اتجاهاتها المستقبلية.