رضا فرحات: "قاع الهامور" جرس إنذار للوعي.. والسوشيال ميديا أصبحت ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام |خاص

اللواء الدكتور رضا
اللواء الدكتور رضا فرحات

حذر اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، من التعامل مع تريند «قاع الهامور» باعتباره مجرد ظاهرة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن انتشار مثل هذه الظواهر يكشف حجم الدور الذي أصبحت تلعبه السوشيال ميديا في تشكيل الوعي وصناعة المزاج العام.

«قاع الهامور» ظاهرة رقمية تستحق التوقف

وقال فرحات لـ"البرلمان" إن هناك أشياء تبدأ صغيرة إلى الحد الذي لا يدفع إلى الالتفات إليها، ثم يتضح لاحقًا أنها تحمل معنى أكبر من حجمها بكثير، مشيرًا إلى أن قصة «قاع الهامور» تبدو في بدايتها أقرب إلى الفكاهة واللعب، قبل أن تتسع لتصبح عالمًا افتراضيًا له لغته وشخصياته ومسمياته، ويستعير بعض مفردات الواقع ومؤسساته ويعيد تقديمها في قالب ساخر.

وأوضح أن «قاع الهامور» ليس مجرد تريند عابر يستحق المشاهدة ثم النسيان، وإنما ظاهرة رقمية تستحق التوقف أمامها، لأنها تكشف حجم المساحة التي أصبحت السوشيال ميديا تشغلها في تشكيل الوعي وصناعة المزاج العام.

وأضاف أن ما يبدو في بدايته مجرد مساحة للترفيه قد يتحول، مع التكرار والانتشار، إلى نافذة تتسلل منها أفكار وصور ومفاهيم جديدة إلى الوعي الجمعي، ومن هنا تأتي خطورة «قاع الهامور»، باعتباره ثقبًا صغيرًا في جدار الوعي، مؤكدًا أن الثقوب الصغيرة هي التي ينبغي الانتباه إليها قبل أن تتسع.

الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، كما لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه، وإنما أصبحت بيئة متكاملة يعيش داخلها الإنسان جزءًا معتبرًا من يومه.

وأوضح أن المستخدم يتلقى من خلالها الأخبار، ويتابع الأحداث، ويكوّن انطباعاته عن الأشخاص والمؤسسات والقضايا، بل ويشارك في صناعة المحتوى الذي سيشاهده الآخرون بعد دقائق، ولذلك فإن أي ظاهرة واسعة الانتشار على هذه المنصات لم تعد شأنًا رقميًا خالصًا، وإنما أصبحت جزءًا من المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي.

وأكد أن الحديث عن السوشيال ميديا أصبح حديثًا عن قطاع واسع من المجتمع، وعن واحدة من أهم ساحات تشكيل الرأي العام.

من الفكاهة إلى عالم افتراضي كامل

وأكد فرحات أن المسألة لا تتعلق بوجود شباب يضحكون أو يتبادلون صورًا ساخرة، معتبرًا أن الفكاهة والسخرية جزء أصيل من الشخصية المصرية، وإنما تكمن القضية في التحول الذي يحدث عندما تنتقل الفكرة من مجرد نكتة إلى عالم كامل.

وأوضح أنه عندما تبدأ المساحة الافتراضية في إنتاج مفردات تشبه مفردات الحياة الواقعية، ومحاكاة مؤسساتها وأدوارها، وصناعة حالة من المشاركة الجماعية حول عالم غير موجود إلا على الشاشة، يصبح من المشروع طرح تساؤل حول ما تقوله هذه الظاهرة عن الطريقة التي يتعامل بها الجيل الجديد مع الواقع، ولماذا أصبح من السهل إنشاء عالم افتراضي كامل، بينما تبدو المشاركة في العالم الحقيقي أكثر تعقيدًا وبطئًا.

لا يعني ذلك وجود مشروع سياسي وراء التريند

وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن «قاع الهامور» يحمل مشروعًا سياسيًا أو أن وراءه نوايا خفية، مؤكدًا أن القراءة الجادة للظواهر الاجتماعية ترفض مثل هذه القفزات.

وأوضح أن الوعي السياسي لا يتعامل مع الظاهرة فقط وفق نية أصحابها، وإنما يتأمل أثرها المحتمل وتراكماتها، لافتًا إلى أن الأمر قد يبدأ بالضحك، ثم يصبح عادة، ثم تتحول العادة إلى لغة، ثم تصبح اللغة إطارًا لرؤية الواقع.

وأشار إلى أن أهمية التحذير تكمن في أن الوعي لا يتغير دائمًا عبر الأحداث الكبرى، وإنما قد يتغير من خلال آلاف التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح مألوفة.

خوارزميات السوشيال ميديا تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة

وقال فرحات إن المشكلة الأكبر تتمثل في أن السوشيال ميديا لا تعمل بالطريقة التي يعمل بها المجال العام التقليدي، موضحًا أنه في الصحافة والإعلام التقليديين توجد، نظريًا، قواعد للتحقق ومسؤوليات مهنية ومصادر يمكن الرجوع إليها.

وأضاف أن الأكثر انتشارًا في الفضاء الرقمي ليس بالضرورة الأكثر دقة، والأكثر إثارة ليس بالضرورة الأكثر أهمية، والأكثر تفاعلًا ليس بالضرورة الأكثر قيمة.

وأوضح أن الخوارزميات تقيس الانتباه وتدفع بالمحتوى الذي يثير الفضول أو الغضب أو الضحك أو الصدمة، ولذلك يمكن أن تنتقل فكرة بسيطة إلى ملايين المستخدمين في وقت قصير، بينما تحتاج المعلومة الجادة إلى جهد كبير حتى تصل إلى جزء من هذا الجمهور.

من يصنع وعي المواطن اليوم؟

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن «قاع الهامور» يطرح سؤالًا أكبر حول الجهة التي تصنع وعي المواطن اليوم، متسائلًا: هل المدرسة وحدها؟ هل الأسرة؟ هل الإعلام؟ هل الأحزاب؟ أم أن الهاتف أصبح شريكًا أساسيًا في عملية تشكيل الوعي؟

وأوضح أن الإجابة الواقعية تتمثل في وجود كل هذه العناصر، إلا أن تأثير المنصات الرقمية يتزايد بصورة لا يمكن تجاهلها.

وأكد أن المعركة الحقيقية ليست مع تريند بعينه، وإنما مع فكرة ترك تشكيل الوعي بالكامل لمنطق الخوارزمية، مشيرًا إلى أن المجتمع الذي لا يقدم لأبنائه المعرفة الموثوقة والحوار الجاد والمشاركة الحقيقية، سيجد أن المنصات الرقمية تقدم لهم بدائل جاهزة، بعضها مفيد وترفيهي، وبعضها قد يكون مضللًا أو مؤثرًا في اتجاهات الرأي العام دون أن يشعر المتلقي بذلك.

أهمية المجال العام والحياة الحزبية

ولفت فرحات إلى أهمية المجال العام والحياة الحزبية والإعلام، مؤكدًا أن المواطن الذي يجد مساحة حقيقية للتعبير عن رأيه ومناقشة مشكلاته والمشاركة في الشأن العام يكون أقل احتياجًا إلى البحث عن بدائل افتراضية تؤدي الوظيفة نفسها.

وأوضح أن الأحزاب الوطنية، إذا أرادت أن تؤدي دورًا حقيقيًا في حماية الوعي، فعليها أن تدخل إلى هذا الفضاء بلغة العصر، مشيرًا إلى أن المنافسة لم تعد مع صحيفة أو قناة، وإنما مع هاتف المواطن نفسه، ومع عشرات التنبيهات التي تصل إليه كل دقيقة.

حماية الوعي لا تعني مواجهة التكنولوجيا

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن حماية الوعي لا تعني وضع المجتمع في مواجهة التكنولوجيا، ولا تعني اعتبار كل تريند خطرًا، موضحًا أن الوعي الحقيقي يسمح بالضحك، لكنه يعرف متى يتوقف للتفكير.

وأضاف أن الوعي يسمح بالنقد، لكنه يفرق بين النقد والبناء وبين التشكيك والهدم، ويتعامل مع العالم الرقمي باعتباره أداة يمكن أن تصنع المعرفة مثلما يمكن أن تصنع الوهم.

«قاع الهامور» ينتهي ويظل السؤال قائمًا

واختتم اللواء الدكتور رضا فرحات تصريحاته بالتأكيد على أن «قاع الهامور» قد ينتهي غدًا ويأتي بعده تريند آخر، لكن السؤال الذي تركه وراءه سيظل قائمًا: إذا كانت السوشيال ميديا قادرة على بناء عالم افتراضي كامل خلال أيام، فمن المسؤول عن بناء جدار الوعي الذي يحمي المجتمع من أن يتحول هذا العالم الافتراضي إلى بديل عن الواقع؟

وأكد أن معنى «ثقب السوشيال ميديا» يتمثل في أن الخطر ليس في وجود الثقب، وإنما في أن نراه صغيرًا فنقرر ألا نهتم به، مشددًا على أن الوعي الوطني لا ينهار بضربة واحدة، لكنه قد يتآكل من ثقوب صغيرة لا ننتبه إليها إلا بعد أن يصبح إصلاحها أصعب بكثير.

تم نسخ الرابط