د/ محمد عمارة يكتب: حين يصبح الخطأ قدوة يصبح الانحراف نموذجا
كانت بداية الخليقة منذ سيدنا ادم عليه السلام خطأ أخطأه آدم بأنه عصى أمر الله عز وجل ولكنه أستغفر الله وغفر الله له بينما تكبر أبليس على الاستغفار عندما عصى أمر الله فهوى بنفسه الى التهلكة.
ليست الأزمة في أن نخطئ فكلنا خطائون ولكن الأزمة تكمن في محورين الاول وهو تكرار نفس المسارات التي ادت الى اخطاء سابقة والمحور الثاني المكابرة وعدم الاعتراف بالخطأ والاعتذار والاقلاع عنه.
يرتكز مؤشر الدافعية للفرد في المجتمع في " الامل والحلم " فبدونهم يتحول الفرد إلى كائن يستهلك يومه لا إنسان يصنع مستقبله ويفقد قدرته على التطلع ومع الوقت يتحول من صانع لمستقبله إلى مجرد متفرج على حياته.
مسؤولية المجتمع والمؤسسات والإعلام والأسرة ليست فقط أن تبحث عن الناجح وإنما أن تبحث عن الناجح الذي يستحق أن يُحتذى به.لأن النجاح بلا أخلاق قد يصنع حالة من الإعجاب لكنه لا يصنع مجتمعا سليما.
والنفوذ بلا مسؤولية قد يصنع تأثيرا لكنه لا يصنع احتراما.والشهرة بلا مضمون قد تصنع جمهورا لكنها لا تصنع قدوة حسنة و ليست المشكلة أن يوجد بيننا من يخطئ والمشكلة تكمن أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الخطأ قبلة للإعجاب والانحراف قابل للتبرير وصاحب المبدأ هو الاستثناء .
وعلى سبيل المثال لا الحصر صاحب المنصب الذي يفشل ثم يكافأ بمنصب أكبر عندما يرى الناس مسئولا أخفق في إدارة موقعه ثم ينتقل إلى موقع أكثر أهمية دون تفسير واضح أو تقييم حقيقي لأدائه ومسئول عن صناعة السياسيات او تتفيذها فالرسالة التي تصل ليست فقط أن الفشل مقبول بل أن المسئولية قد تتحول إلى مكافأة بدلًا من أن تكون محل حساب.
مثال اخر الإعلام الذي يمنح المساحة الأكبر للأكثر إثارة بينما يحصل صاحب الرأي العاقل والمتخصص على دقائق محدودة و يحصل الأكثر صخبا وإثارة للجدل على ساعات من الظهور فإن الإعلام قد يصنع دون قصد نموذجا جديدا كلما كنت أكثر إثارة أصبحت أكثر تأثيرا.
مثال اخير تكريم الشخص الخطأ في المكان الخطأ هنا لا تكون المشكلة في التكريم نفسه وإنما في الرسالة التي يحملها تلك التكريم فعندما يقدر شخص لا يمتلك السلوك أو الكفاءة التي تؤهله ليكون نموذجا فإن التكريم لا يعود مجرد احتفال بل يصبح إعادة تعريف لما يستحق التقدير في عقول الشباب .
إن الأمم لا تقاس فقط بمن ينجح فيها وإنما بمن تختار أن تصفق له ومن تختار أن تضعه في موقع القدوة وحين يصبح الخطأ قدوة لا يبقى الانحراف خطأً فرديا بل يصبح نموذجا يحتذى به وهنا تكون نقطة التحول الخطيرة واذا لم يتوقف نزيف تجريف الكفاءات واستبعاد نماذج القدوة الحسنة فالعواقب ستكون وخيمة على القوى الشاملة للدول وللحديث بقية اذا كان في العمر بقية.