استجوابي "فجوة الطاقة" و"مستشفيات القرى".. كيف استقبل الفصل التشريعي الجديد أزمات الغاز ونقص الخدمات الطبية
في افتتاح الفصل التشريعي الجديد، بدا المشهد البرلماني وكأنه يدخل مباشرة إلى قلب العاصفة، دون مقدمات طويلة أو مساحات للهدوء، حيث تصدرت الاستجوابات النارية واجهة العمل النيابي، لتفتح ملفات شديدة الحساسية تمسّ عصب الدولة من الطاقة إلى الصحة، في لحظة سياسية تبدو فيها الأسئلة أقوى من الإجابات، والوقائع أكثر إلحاحًا من الخطابات.
الطاقة بين الأرقام والضغط الواقعية
تقدّم حزب العدل عبر نائبه محمد فؤاد بأول استجواب في هذا الفصل التشريعي، موجّهًا إلى وزير البترول والثروة المعدنية، في خطوة تعكس تصعيدًا رقابيًا مباشرًا تجاه واحد من أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن الاقتصادي للدولة، وهو ملف الغاز والطاقة.
الاستجواب انطلق من زاوية محاسبة الأداء الفعلي مقارنة بالمستهدفات المعلنة، حيث أشار إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي شهد تراجعًا تدريجيًا منذ عام 2022، متحولًا من مستويات كانت تدور حول 6.5 إلى 7 مليار قدم مكعب يوميًا إلى ما يقارب 4 مليارات قدم مكعب بنهاية 2025، وهو ما اعتبره الاستجواب مسارًا هابطًا متصلًا لا يمكن تفسيره باعتباره تقلبًا عابرًا، بل اتجاهًا ممتدًا يفرض تساؤلات حول كفاءة إدارة الملف.

ولم يقف الطرح عند حدود الأرقام، بل امتد إلى ما وصفه بفجوة التخطيط والتنفيذ، حيث أشار الاستجواب إلى وجود مشروعات وآبار أُدرجت ضمن المستهدفات دون أن تدخل حيز الإنتاج الفعلي أو لم تُستكمل دراسات جدواها بالشكل الكافي، ما أدى إلى تفاوت واضح بين الخطط المعلنة والنتائج على الأرض.
لجوء الدولة إلى التمويل الخارجي
كما تطرق الاستجواب إلى ملف وحدات التغويز العائمة، الذي طُرح كحل سريع لتأمين احتياجات الطاقة، لكنه تحول – بحسب ما ورد – إلى مصدر تكلفة إضافية نتيجة تأخيرات تشغيلية وغرامات يومية، إلى جانب تكلفة تشغيل شهرية لوحدات لم تحقق الاستفادة المرجوة في التوقيتات المخططة، وهو ما ألقى بعبء مالي مباشر على الدولة.
وأشار الاستجواب إلى تضخم كبير في فاتورة استيراد الوقود خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، مع ارتفاعات بمليارات الدولارات خلال فترة قصيرة، وهو ما انعكس على ميزان المدفوعات وأعاد ترتيب أولويات الإنفاق العام، في ظل اعتماد متزايد على الاستيراد لتعويض الفجوة الإنتاجية.
كما ربط الاستجواب بين هذه التطورات وبين لجوء الدولة إلى التمويل الخارجي لتغطية فجوات الاستهلاك والاستيراد، بدلًا من توجيه الموارد نحو توسعات إنتاجية طويلة الأجل، ما يعني – وفق الطرح – تحويل أزمة تشغيلية إلى التزام مالي ممتد.
وانتهى موقف الحزب بالتأكيد على أن الهدف من الاستجواب ليس تسجيل موقف سياسي، بل فتح مسار مراجعة شامل لسياسات الطاقة، بما يعيد ضبط العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك والاستيراد، ويضع حدًا لتراكم الأعباء على الموازنة العامة وعلى المواطن في نهاية السلسلة الاقتصادية.
خدمة غائبة بالمستشفيات القروية
وفي مشهد موازٍ لا يقل حدة، تقدّم النائب رضا عبدالسلام باستجواب آخر موجّه إلى وزيري الصحة والسكان والتعليم العالي والبحث العلمي، كاشفًا عن أزمة ممتدة في منظومة المستشفيات القروية، التي تحولت – وفق وصفه – من منشآت علاجية إلى مبانٍ شبه خالية من الخدمة الفعلية.
الاستجواب أعاد فتح ملف بدأ منذ أواخر التسعينيات، حين تم إنشاء مئات المستشفيات القروية بهدف توفير خدمات صحية أولية متكاملة داخل القرى، قبل أن يتم لاحقًا تحويل عدد كبير منها إلى وحدات محدودة الخدمات مثل طب الأسرة والتطعيمات، ما أدى إلى تقليص دورها الأساسي في تقديم الرعاية العلاجية المباشرة.
ويشير الاستجواب إلى أن هذا التحول نتج عنه ضغط متزايد على المستشفيات المركزية في المدن، حيث بات المواطنون مضطرين للانتقال لمسافات طويلة للحصول على خدمة طبية أساسية، ما أدى إلى تكدس شديد داخل تلك المنشآت، وتأخر في تلقي الخدمة، وارتفاع في معدلات المعاناة اليومية للمرضى.
هدر في البنية التحتية الصحية
كما يلفت الاستجواب إلى أن هذا الوضع أدى إلى ما يمكن وصفه بهدر في البنية التحتية الصحية، حيث توجد مبانٍ وتجهيزات قائمة لكنها غير مستغلة بالشكل الكامل، بينما تعاني القرى من نقص حاد في الخدمات الطبية الأولية والمتوسطة.
وفي إطار الطرح الرقابي، طرح النائب تساؤلات مباشرة حول خطة إعادة تشغيل هذه المستشفيات، والموارد المطلوبة لذلك، وإمكانية إعادة دمج الخدمات الطبية بشكل أكثر كفاءة داخل منظومة صحية موحدة، بدلًا من التشتت الإداري الحالي، مع الإشارة إلى دور محتمل للمحافظات والمجتمع المدني في إعادة إحياء هذه المنشآت عبر نماذج تشغيل مرنة.
كما حمل الاستجواب تحذيرًا واضحًا من استمرار الوضع الحالي، باعتبار أن المواطن في القرى يتحمل العبء الأكبر، حيث تتحول رحلة العلاج إلى معاناة يومية تبدأ من نقص الخدمة وتنتهي بتكدس المستشفيات المركزية.







